ينتفي معنى الإيمان متى احتاج إلى دليل، ولذا من الخطأ أن يقول المرء إن لديَّه إيمانًا بالتقدم البشري؛ فخلافًا للإيمان بالغيبيات، يُعدُّ التقدم واقعًا موضوعيًّا، وحقيقةً دامغة، شأنها في ذلك شأن التطور، فقد صارت البشرية أفضل حالًا من حيث الثراء والصحة والحرية والسلام والذكاء، ونحن نمتلك من المعرفة أكثر مما امتلكه أسلافنا، كما أننا نتعلم المزيد طوال الوقت، ولذلك يتحتم على أي شخص منطقي في تفكيره أن يُقِرَّ بأن هذه الاتجاهات تُشكِّل تقدمًا، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى يمكن أن يدوم هذا التقدم؟

دعوني أعود بذاكرتي إلى الوراء للحظة، اتفقتُ مؤخرًا مع العلَّامة البارز ستيفن بينكر على أن البشرية حققت خلال القرنين الماضيين تقدمًا ماديًّا وأخلاقيًّا وفكريًّا، وهو ما ينبغي أن يمنحنا الأمل في أنه لا يزال بمقدورنا تحقيق المزيد من هذا التقدم، وقد توقَّعتُ معارضةً وهذا ما حدث بالفعل، ويذهب المتشائمون إلى أن التقدم الذي حققناه سيتضح أنه وقتي، وأننا سوف نستسلم في نهاية الأمر لسفهنا وغبائنا وندمر أنفسنا.

قد يحدث هذا، وقد لا يحدث، لكن على سبيل تدبُّر الفكرة، هبْ أننا سنتمكَّن من حل مشكلاتنا الكبرى -متضمنةً الاستبداد والظلم والفقر والجوائح وتغير المناخ والحرب- خلال القرن القادم أو القرنين القادمين، ولنقل إننا سنخلق عالمًا يمكننا فيه فعل كل شيء تقريبًا يقع عليه اختيارنا، سيسعى الكثيرون وراء المتعة، وسيجدون طرقًا للاستمتاع أكثر إثارة، وربما يسعى آخرون وراء التنوير الروحي، أو يكرسون أنفسهم للتعبير الفني.

وبصرف النظر عن الأشياء التي سيختار أحفادنا فعلها، فمن المؤكد أن بعضهم سيواصل دراسة الكون وكل ما فيه، متضمنًا البشر، فإلى متى يمكن أن يستمر هذا السعي وراء المعرفة؟ ليس لوقتٍ طويل، تلك هي الإجابة التي صرَّحتُ بها منذ 25 عامًا في كتاب "نهاية العلم" The End of Science، الذي أشرتُ فيه إلى أن ثمة قيودًا جوهرية تعترض مسيرة فيزياء الجسيمات، وعلم الكونيات، وعلم الأعصاب، ومجالات العلوم الأخرى، وما زلت أعتقد إلى الآن أنني على صواب، لكن احتمال أن أكون مخطئًا قائمٌ أيضًا، سأُسلِّط الضوء فيما يلي على آراء ثلاثة من علماء الفيزياء، هم: فريمان دايسون، وروجر بنروز، وديفيد دويتش، الذين يؤمنون بأن السعي وراء المعرفة من الممكن أن يستمر لزمن طويل جدًّا، بل قد يستمر إلى الأبد، حتى في مواجهة الفناء الحراري للكون.

إذا كنت بصدد التكهُّن بمستقبلنا الكوني طويل الأمد، فستجد نفسك حتمًا في مواجهة القانون الثاني للديناميكا الحرارية، ذلك المفهوم العلمي الذي يُبصِّرنا بالطبيعة، والذي يُعد أكثر المفاهيم إثارةً للإحباط، هذا القانون ينص على أن النُّظُم المغلقة، التي لا تحصل على إمدادات من الطاقة من مصدر خارجي، تصير في أغلب الأحيان أكثر عشوائيةً بمرور الوقت، وهذا تعبيرٌ مخفَّف عن الملل، ويشير القانون الثاني ضمنًا إلى أن الكون سيتعرض في نهاية المطاف لما يُعرَف بالموت أو الفناء الحراري، إذ سيصبح فيه لكل شيء -وهنا أعني كل شيء حرفيًّا- درجة الحرارة نفسها، التي تناهز الصفر المطلق، وهو كون لا يحدث فيه أي شيء.

إن الاكتشاف الذي تحقق في أواخر تسعينيات القرن العشرين، والذي يقضي بأن الكون آخذٌ في التمدد بمعدلٍ متسارعٍ يعني ضمنًا أننا نقترب بمعدلٍ متزايدٍ من الموت الحراري، المعروف أيضًا باسم التجمُّد الكبير، وهذا أمر سيئ؛ فبينما يواصل الكون الانتفاخ، فإن النجوم، ومنها شمسنا (بعد أن تتحول أولًا إلى عملاق أحمر يحرق كوكب الأرض)، بل وحتى الثقوب السوداء ستشعُّ في نهاية المطاف كل طاقتها، وسيُظلم الكون، إلى الأبد، ووفقًا لتقديرات علماء الكونيات، فإننا سنصل إلى هذا الطريق الكوني المسدود -الذي سينتهي فيه الزمن ذاته، حسبما يوضح الكاتب الفيزيائي جورج موسر- خلال جوجول عام، والجوجول يساوي 10 أس 100.

نعم، هذا زمن طويل، (على النقيض من ذلك، من المتوقع أن تصير الشمس عملاقًا أحمر وتحرق كوكبنا في غضون 5 مليارات عام فقط، أي 5 في 10 أس 9 أعوام)، غير أن هذه النبوءة المشؤومة تجعل كل التقدم الذي حققناه يبدو تافهًا بلا معنى على نحو يثير الرثاء، إذ لا يمثل سوى دوامة متناهية الصغر داخل انجراف الكون الشبيه بالتسونامي نحو الليل السرمدي، وكل مساعينا وراء المعرفة ستصير بلا طائل؛ لأن كل شيء تعلمناه سيصبح في طي النسيان بينما يتردى الكون إلى حالة لا رجعة فيها من الغياب التام للعقل.

فريمان دايسون وسحابة الغاز الواعية

بدافعٍ من انزعاجهم من احتمالية فناء الكون، تكهَّن العلماء بسُبُلٍ يمكننا من خلالها تفادي حدوث ذلك، ومن رواد هذا التفكير التكهُّني فريمان دايسون، الذي توفي العام الماضي عن 96 عامًا، كان عالِم الفيزياء ستيفن واينبرج قد أدلى بتعليقٍ شهير جاء فيه: "كلما بدا الكون أكثر قابليةً للفهم، زاد افتقاره إلى المعنى"، وهذا التعليق عينه هو ما دفع دايسون إلى التفكير بشأن المصير طويل الأمد للكون، وذلك في أواخر سبعينيات القرن العشرين.

وفي دراسةٍ بحثية نُشرت عام 1979 تحت عنوان "زمن بلا نهاية: الفيزياء والبيولوجيا في كونٍ مفتوح"، شدَّد دايسون على أن الكون سيظل ذا معنى ومغزى ما دامت تسكنه مخلوقاتٌ ذكية، وذهب إلى أنه بعد دهورٍ من وقتنا الحاضر، ربما يسكن أحفادنا البعيدون نُظُمًا نجميةً ومجراتٍ أخرى، ولعل هذا سيحدث بعد أن يتخلصوا من أجسادهم التي من لحم ودم، ويصيرون سحبًا واعيةً من الغاز، وقد طرح دايسون حججًا تستند إلى علم الرياضيات يُشير من خلالها إلى أنه بمقدور هذه الكائنات، عن طريق الحفظ الحصيف للطاقة، أن تحافظ على الموارد الضرورية للبقاء والتفكير والتواصل في كون دائم التمدد.

ويُصِرُّ دايسون على أن أحفادنا البعيدين سيكون لديهم دومًا كمٌّ وفيرٌ من الأشياء التي ينشغلون في التفكير بشأنها، وقد استمد إصراره هذا من مُبرهِنة قدمها كورت جودل في عام 1931، تُفيد بأن أي نظام من البدهيات الرياضية "غير مكتمل"، وهو ما يطرح أسئلةً يتعذر الإجابة عنها بالاستناد إلى تلك البدهيات، فمُبرهِنة عدم الاكتمال لجودل تعني ضمنًا أن كلًّا من الواقع الرياضي والفيزيائي سيطرح أمامنا مشكلاتٍ "لا تنضب"، ويؤكد دايسون أننا "مهما توغَّلنا في المستقبل، ستظل هناك دومًا أشياءٌ جديدة تحدث، ومعلوماتٌ جديدة تظهر، وعوالمُ جديدة تحتاج إلى ارتيادها، ونطاقٌ للحياة والوعي والذاكرة دائم التمدد".

بعد أن أتيتُ على ذكر دراسة دايسون البحثية في مقالة كتبتُها عام 2018، أرسل لي بريدًا إلكترونيًّا يوضح فيه أن دراسته هذه "قد عفا عليها الزمن؛ لأنها تفترض أن الكون يتمدد بشكلٍ خطي، وهو الأمر الذي عدَّه علماء الكونيات صحيحًا في عام 1979، غير أننا نمتلك الآن أدلةً قوية على أن الكون يتسارع، وهذا التسارع يُحدِث فارقًا كبيرًا في مستقبل الحياة والمخلوقات الذكية"، ورفض دايسون "التكهُّن أكثر" بشأن مصيرنا في كونٍ متسارع، "إلى أن تصير الأدلةُ القائمة على الرصد والمشاهدة أكثر وضوحًا".

روجر بنروز والكون الدوري الأبدي

واصل روجر بنروز -الذي حاز جائزة نوبل العام الماضي- العمل على مشروع دايسون الهادف إلى تخيل مستقبلنا الكوني، وفي عام 2005، أصاب بنروز نفسه "بالإحباط" نتيجة "التفكير في الزمن المهدر الذي يمتد أمام الكون وفق أحدث عمليات الرصد الكونية، والتي تُشير إلى حدوث تمددٍ دائم التسارع"، وذلك وفق ما ورد في مقال نشرته دورية "فيزيكس وورلد" Physics World، وتساءل بنروز: "مَن الذي سيكون موجودًا في الأرجاء حينذاك ليشعر بالملل من هذا الضجر النهائي الطاغي على ما يبدو؟".

تغلَّب بنروز على خوفه من خلال ابتكار نموذجٍ جديد للكون، أطلق عليه علم الكونيات الدوري المُطابق، وقد شرح هذا النموذج في كتابٍ صدر له عام 2010 تحت عنوان "دورات الزمن" Cycles of Time، وفحوى هذه النظرية أن كوننا الذي يزداد خواءً سوف يتمخض عنه في النهاية نقطةُ تفردٍ، أو تمزقٌ في الزمكان مشابهٌ للانفجار العظيم، وبهذه الطريقة، يمكن للكون المتمدد أن يُنتج أكوانًا جديدة، واحدًا تلو الآخر، إلى ما لا نهاية.

ويستدرك بنروز وأحد معاونيه، أن الوضع الأفضل من هذا أن يكون كل كون جديد قادرًا على تمرير المعلومات المتراكمة داخله إلى الكون الذي يليه في صورة الإشعاع الميكروني الكوني الذي تخلَّف عن الانفجار العظيم، وهذا معناه أن الإشعاع الميكروني الذي يتغلغل في أرجاء كوننا ربما يحتوي على رسائل من أكوانٍ سابقة، وبالطريقة نفسها، فإن المعرفة التي تتراكم لدينا قد تُمَرَّر إلى ساكني الأكوان المستقبلية؛ فبرغم كل شيء، لسنا قليلي الأهمية إلى هذا الحد!

لكن بنروز حقق اكتشافًا رياضيًّا في بداية حياته المهنية، وهذا الاكتشاف يدعم زعم دايسون القائل بأن الكون لن يكف عن إدهاشنا، وأوضح بنروز أن فئةً من المُضلَّعات، يُطلَق عليها حاليًّا بلاطات بنروز، يمكنها أن تتحد لتُشكِّل أنماطًا لا دورية، لا تُكرِّر نفسها مطلقًا، ومثل مُبرهِنة عدم الاكتمال لجودل، ومثل "لعبة الحياة"، وهي آلة ذاتية الحركة ابتكرها عالِم الرياضيات جون كونواي، فإن بلاطات بنروز تُشير إلى أنه حتى الكون المبني على قواعد بسيطة باستطاعته أن يولِّد تعقيدًا لا نهائيًّا يتعذر التنبؤ به، وإذا أبقينا أعيننا مفتوحة، فستواصل الطبيعة طرح ألغاز جديدة علينا كي نحلها.

ديفيد دويتش وبداية اللانهاية

استهلَّ ديفيد دويتش كتاب "بداية اللانهاية"The Beginning of Infinity  الذي صدر له عام 2011 بالتساؤل التالي: "هل سيتحتم على التقدم أن ينتهي -سواء بكارثة أو بنوعٍ ما من الاكتمال- أم أنه غير محدود؟"، ويُعدُّ كتاب دويتش حجةً داعمةً باستفاضة لفكرة اللامحدودية. (انظر مراجعتي لكتاب دويتش على هذا الرابط، ومحاداثاتي معه على هذا الرابط، وهذا الرابط).

يعتقد دويتش أن كل ما نحققه من تقدم أخلاقي وسياسي وتقني وطبي وفني وعلمي ينبع من محاولاتنا العثور على "تفسيرات جيدة"، ويذهب إلى أنه سيظل هناك دومًا المزيد من الأشياء التي تحتاج إلى تفسير، والسبب في ذلك -وفق زعمه- أن معرفتنا بالواقع ستظل دائمًا منقوصة، وهكذا فإن دويتش يرفض الزعم الذي طرحتُه في كتابي "نهاية العلم"، والذي يُفيد بأن العلم قد لا يقدم مطلقًا أي رؤى كاشفة جديدة تتعلق بالطبيعة تناهز في العمق التطور وميكانيكا الكم والانفجار العظيم، ويرى دويتش أن اكتشاف تسارُع الكون يتعارض مع أطروحتي.

كما أنه يُشير إلى احتمالية أن يتمكَّن أحفادنا المستقبليون من تسخير الطاقة المظلمة التي يُعتقَد أنها المحرك لهذا التسارع الكوني بما يفتح المجال أمام "خَلق المعرفة" بحيث "يستمر إلى الأبد"، وماذا عن الموت الحراري؟ لا يرى دويتش أي مشكلة، فهو يُعارض جميع مظاهر المستقبل البشري التي تُرجِّح الفناء، ومن ثمَّ فإنه يستبعد تحقُّق نوعٍ فائقٍ من المثالية تختفي معه كل المشكلات التي تحتاج إلى حلولٍ، وقد أخبرني في عام 2018 أن "العالم لن يكون مثاليًّا، حتى عندما نتخلص من كل شيءٍ نتأزم بسببه اليوم، فسنظل دائمًا عند بداية اللانهاية، ولن نرضى أبدًا".

ويُعدُّ دويتش من المناصرين الأقوياء لفرضية العوالم المتعددة، التي تسعى إلى إدراك السبب وراء رؤيتنا مسارًا واحدًا فقط من المسارات العديدة المحتملة التي تمثلها الدالة الموجية للإلكترون عند رصدنا لهذا الإلكترون، وتذهب فرضية العوالم المتعددة إلى أن الاحتمالات التي تجسدها الدالة الموجية تتحقق في أكوانٍ أخرى، وعندما أجريتُ حوارًا مع دويتش في عام 2018، ضاهى الرجل بين الأدلة المؤيدة لوجود العوالم البديلة بالأدلة المؤيدة لوجود الديناصورات، وقال إن الأكوان الأخرى "حقيقة واقعة، يتعين علينا التسليم بها".

سألتُ دويتش مؤخرًا عما إذا كان يعتقد أن أحفادنا المستقبليين قد يمتلكون القدرة على القفز إلى الأكوان الأخرى لمواصلة البحث عن المعرفة، وفي جوابه، أوضح دويتش أن تفاؤله يشبه تفاؤل دايسون وبنروز، إذ ثمة نزعةٌ تشككية راسخة تحدُّ من تفاؤله هذا؛ فقد قال إن القفز بين الأكوان قد يصبح ممكنًا في ظل "سيناريوهات غريبة وتكهنية للغاية".

وأضاف: "برغم ذلك، قد تجد الأجيال المستقبلية شيئًا من الهزل في إقدامنا على وضع افتراضات بشأن أحداث ستقع بعد أكثر من 100 مليار عام في المستقبل، في حين أن نظرياتنا عن علم الكونيات الأساسي لا تزال تتغير على مقياس زمني لا يتجاوز العقود، فالأمر أشبه بأن يضع شخصٌ في عام 1400 افتراضاتٍ بشأن التدجين المستقبلي للتنانين النافثة للنيران من أجل استخدامها في صناعة الصُّلب، وذلك لأن الخرائط التكهُّنية وقتها تضع عبارة "توجد هنا تنانين" على المناطق غير المُستكشفة".

صحيحٌ أن تنبؤات دايسون وبنروز ودويتش تتعارض مع زعمي القائل بأن العلم متناهٍ، لكن يجمع بيننا عددٌ من القناعات، وتشمل على وجه التحديد فكرة أننا لن نحل مطلقًا لغز الواقع، وأن البحث عن المعرفة يتفوق على ما عداه من المساعي، في كونه يعطي وجودنا المعنى والمغزى، وإضافةً إلى ذلك، كلما تقدم بي العمر، فإن أملي في أن يكون العلم لا متناهٍ يفوق خوفي من ألا يكون كذلك، وأعتقد أنني أؤمن بالتقدم على أي حال.

هذا مقال رأي وتحليل.