إن عمليات الإغلاق التي فُرضت في الأيام الأولى من الجائحة أنقذت ملايين الأرواح ومنعت عشرات الملايين من الإصابات بالعدوى، غير أن إجراءات الحجر الصحي لم تكن تُطبق بشكل كامل في أغلب الأماكن؛ فبينما تكون للحكومات سلطة إغلاق الأعمال التجارية والأماكن الأخرى التي يتجمع الناس فيها علنًا، لم تمنع القرارات الرسمية في الولايات المتحدة المواطنين من التقاء الأهل والأصدقاء في المنزل.

ووفق الروايات المتداولة، يبدو أن التجمعات الاجتماعية غير الرسمية -مثل اللقاءات في أثناء العطلات والحفلات والأعراس- قد أدت دورًا مهمًّا في نشر الفيروس، ولكن ما من طريقة مباشرة للتحقق من هذه الفرضية بدقة على نطاق واسع، ثمة دراسة جديدة منشورة في دورية جاما إنتيرنال ميديسين JAMA Internal Medicine تتخطى تلك الصعوبات بتحليل الارتباط بين أعياد الميلاد ومعدلات الإصابة بعدوى كوفيد-19، وفقًا لنتائج الدراسة، فإن الأسر التي شهدت ذكرى ميلاد أحد أفرادها في الآونة الأخيرة -والتي زادت احتمالات إقامتها حفلًا بهذه المناسبة- في المقاطعات التي يوجد فيها الكثير من الحالات شهدت ارتفاعًا في خطر الإصابة بالعدوى بنسبة قدرها حوالي 30% في الأسبوعين التاليين، وذلك بالمقارنة بالأسر التي لم يكن لديها عيد ميلاد، وجد مؤلفو الدراسة أن هؤلاء الذين كانوا يحتفلون بعيد ميلاد أحد أطفالهم كانوا الأكثر تعرضًا لخطر العدوى على الإطلاق.

يقول كريستوفر ويلي، مؤلف الدراسة الرئيسي والباحث في السياسات الصحية في راند كوربوريشن Rand Corporation، وهي مجموعة بحثية غير هادفة للربح مقرها سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا: "فوجئ جميع القائمين على الدراسة بحجم الزيادة في خطر الإصابة، البالغ ثلاثين في المئة، أعتقد أن ذلك يشير حقًّا إلى مصدر الكثير من الإصابات التي وقعت خلال العام الماضي".

بينما تناولت طائفة محدودة من الدراسات السابقة الدور الذي أدته التجمعات غير الرسمية في حالات الإصابة بعدوى فيروس كورونا الجديد، فإنها ركزت في الأغلب على أحداث منفردة لا تتكرر، كحفل زفاف واحد في ولاية مين مثلًا، أدرك ويلي وزملاؤه أن أعياد الميلاد يمكن أن تمثل أداة مفيدة بشكل خاص للكشف عن أنماط انتقال عدوى كوفيد-19 على الصعيد الوطني، وذلك لأسباب عدة، منها أن كل شخص لديه عيد ميلاد، وأن أعياد الميلاد تقع على مدار العام.

حصل المؤلفون على بيانات تمثل الواقع على الصعيد الوطني لـ2,9 مليون أسرة أمريكية من كاستلايت هيلث Castlight Health، وهي شركة تساعد الناس في الحصول على المعلومات المتعلقة بنظام الرعاية الصحية، شملت البيانات التي امتدت على مدار الشهور العشرة الأولى من 2020 أعياد ميلاد أفراد الأسرة، وكذلك أي نتائج إيجابية لاختبار كوفيد-19 تلقوها من خلال مطالبات التأمين، لم يكن الباحثون على علم بما إذا كان الأشخاص المشمولون في دراستهم قد أقاموا بالفعل احتفالًا بعيد ميلاد، إلا أنهم افترضوا أن أعياد الميلاد يمكن أن تكون بمنزلة مؤشر غير مباشر إلى احتمال حدوث تجمُّع اجتماعي.

Graph shows that, in areas with high COVID rates, households with a birthday in a given week had a higher risk of infection.
Credit: Amanda Montañez; Source: “Assessing the Association between Social Gatherings and COVID-19 Risk Using Birthdays,” by Christopher M. Whaley et al., in JAMA Internal Medicine. Published online June 21, 2021

كشفت النتائج عن ارتباط كبير بين أعياد الميلاد وتزايُد خطر انتقال كوفيد-19؛ ففي المقاطعات التي تشهد أعلى معدل لانتشار المرض (الشريحة العشرية العليا)، فاق متوسط عدد الحالات في الأسر ذات أعياد الميلاد نظيره لدى الأسر الأخرى التي في الجوار دون أن يكون لديها عيد ميلاد بنسبة 8,6 حالات لكل 10,000 شخص، وفي المناطق التي تقل فيها معدلات انتشار الفيروس، كانت الإصابات المرتبطة بأعياد الميلاد منخفضةً كذلك، تجدر الإشارة إلى أن النتائج لم تتأثر بالميول السياسية، وفقًا لقياسها بالكيفية التي صوتت بها المقاطعات في انتخابات عام 2016، ولم تتأثر كذلك بأوامر فرض الحجر الصحي أو الطقس، وبالنظر إلى تلك النقاط مجتمعة، يشير ذلك إلى نمط سلوك عام، لا مجرد ظاهرة تسوِّغها مجموعة من الظروف، كسقوط الأمطار التي تدفع بإقامة الحفلات إلى داخل المنازل، أو الأيديولوجية التي تعتنقها الأسر، يقول ويلي: "إذا كنت ستجتمع بالأهل والأصدقاء بشكل غير رسمي فربما سيكون من الأرجح أن تتخلى عن حذرك أو ألا ترتدي الكمامة؛ فمن الناحية النفسية قد لا تظن أن الأهل والأصدقاء يمثلون مستوى الخطر ذاته الذي يمثله عامة الناس".

اندهش ويلي وزملاؤه للغاية لرؤية ما بدا لأعياد ميلاد الأطفال من تأثير قوي على خطر انتقال عدوى كوفيد-19؛ ففي المقاطعات التي تشهد أعلى معدلات انتشار للمرض، كان عيد ميلاد طفل واحد يحمل أكثر من ضعف درجة خطورة الإصابة بالعدوى مقارنةً بعيد ميلاد أحد البالغين، بزيادة قدرها 15,8 حالة إضافية بكوفيد-19 لكل 10,000 شخص، مقارنةً بالأرقام الخاصة بالأشخاص الذين لم يكن لديهم عيد ميلاد، وفي حين لا يعلم الباحثون ما العوامل التي تفسر الخطورة الإضافية، فإن ويلي يفترض أنه ربما يكون الآباء أكثر ترددًا في التخلي عن إقامة حفل لطفلهم حتى وإن كنا في خضم جائحة، أو ربما يكون الحاضرون في حفلات أعياد ميلاد الأطفال أقل التزامًا بالتباعد الاجتماعي.

 غير أن هذه النتائج لا تعكس سوى متوسط تأثير أعياد الميلاد على خطر الإصابة بكوفيد-19، بالنسبة للبالغين والأطفال على حدٍّ سواء، مما يعني أنه يكاد يكون من المؤكد أن تلك النتائج هي تقدير أقل من الواقع بالنسبة لمَن تجمعوا بالفعل لعقد الاحتفالات على مدى فترة الجائحة، لو كان قد توافر لدى ويلي وزملائه القدرة على التمييز بين الأشخاص الذين أقاموا حفلات وهؤلاء الذين لم يحتفلوا، على سبيل المثال، أو بين الأشخاص الذين أقاموا حفلات وارتدوا كمامات وتباعدوا اجتماعيًّا في أثناء تلك التجمعات ومَن لم يلتزموا بهذه التدابير، فلربما كانت النتائج أكثر وضوحًا.

ومع ذلك، تؤكد الدراسة الجديدة بوضوح أنه "لا بأس من أن ترفض حضور الحفلات والمشاركة في متعتها في أثناء الجائحة"، حسبما يقول رونالد ريديلماير، أستاذ الطب بجامعة تورونتو، والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة، يضيف ريديلماير قائلًا: "بالتأمل فيما سبق، يُعد ذلك إقرارًا بالمكاسب التي تحققت بين مَن تجنبوا كل أنواع التجمعات الاجتماعية، كالأعراس وحفلات أعياد الميلاد وغيرها من التجمعات التي قد تخطر ببالك".