يستغرق جلبُ دواءٍ جديدٍ من المختبر إلى خزانة الأدوية في بيتك 12 سنةً، ويتكلف مليار دولار أمريكي أو أكثر في العادة، فقد أصبح اختبار الأدوية على المرضى عمليةً بطيئةً وشاقة؛ فغالبًا ما يتعين على المشاركين طواعيةً -بل وحتى أولئك الذين تدفعهم الحاجة المُلحَّة إلى المشاركة- السفر مسافاتٍ طويلة كي يصلوا إلى موقع الدراسة، ويُضطرون إلى تكرار الرحلة أكثر من مرة، وبالنسبة للعلماء، قد يكون تنسيقُ الأعمال الورقية بين عددٍ كبيرٍ من المراكز البحثية شاقًّا للغاية ويستغرق وقتًا طويلًا.

غير أنه نظرًا إلى ما تتطلبه الجائحة من تحركٍ عاجلٍ وإلى ما تطرحه من أخطار، فإن ذلك يدفع باتجاه التسريع من وتيرة التغييرات الضرورية، فعلى سبيل المثال، بدأ المحققون يلجأون إلى جمع البيانات عن بُعدٍ لأنها وسيلةٌ أكثر أمنًا وملاءمةً بالنسبة للمشاركين، يقول جون إتش ألكساندر، طبيب القلب وأحد أبرز الباحثين في معهد ديوك للأبحاث السريرية: إن هذا النوع من تسهيل الوصول، وغيره من التحسينات الأخرى، أشياءٌ طال انتظارها، رغم انغماس ألكساندر في عالم الأبحاث الطبية، فإن ذلك لم يمنعه من أن يكون ناقدًا واعيًا للكيفية التي تُجرى بها هذه الأبحاث، يُشارك ألكساندر كذلك في رئاسة "مبادرة إحداث تحوُّلٍ في التجارب السريرية" (CTTI)، وهي شراكة بين القطاعين العام والخاص أسَّستها جامعة ديوك وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وقد أخذت تدعو منذ فترة طويلة إلى إجراء إصلاحاتٍ من شأنها أن تجعل العمل البحثي أكثر ذكاءً وأسرع وتيرةً وأفضل إتاحيةً للمرضى من غير أن يأتي ذلك على حساب الجودة، وفي مقابلة مع المحررة كلوديا واليس، وصف ألكساندر كيف بدأت الجائحة في تحسين الأبحاث السريرية، وإلى أي مدى نحتاج إلى فعل المزيد.

[فيما يلي نسخةٌ مُنقَّحة من المقابلة]

كيف بدأ "كوفيد-19" يتحدى "أساليب البحث المعتادة"؟

فجأةً ودون سابق إنذارٍ أصابنا مرضٌ جديد ولم تكن لدينا أي فكرة عن كيفية علاجه، وسرعان ما سلَّط "كوفيد-19" الضوء على حاجتنا إلى إجراء تجارب سريرية سريعة ومُعشَّاة وواسعة النطاق وصارمة، وقد أظهر المرض أن ثمة إمكانية لتعجيل الإجراءات؛ فقد انطلقت تجاربُ سريرية على مستوى مراكز متعددة شملت الآلاف من المصابين بمرض "كوفيد-19" في غضون أسبوعٍ واحد فقط من ولادة الفكرة إلى تسجيل المرضى، وهذه سرعةٌ مذهلة!

لماذا كان إجراء التجارب بسرعةٍ وكفاءة قبل الجائحة صعبًا إلى هذه الدرجة؟

التجاربُ السريرية مشروعٌ بالغُ التعقيد؛ فعلى مر السنين، لم نتوقف عن إدخال إضافاتٍ عليه، والآن، أضحت أشياءٌ معينةٌ هي المعيار، وتلك الأشياء تكلفُ أموالًا طائلة، وليس لدينا أي فكرة عما إذا كانت تضيف قيمةً حقيقية إلى العمل البحثي، ثمة هدفان رئيسان للتجارب السريرية: أحدهما حماية المشاركين وعدم تعريضهم لمخاطر لا داعي لها، والآخر جمعُ بيانات عالية الموثوقية للإجابة عن سؤال البحث، هناك العشرات من الأشياء التي أضفناها إلى المنظومة البحثية ولا تُحقق أيًّا من هذين الهدفين.

هلَّا تَسوقُ لنا مثالًا لتوضيح هذه النقطة؟

عند كل دراسةٍ، تشترطُ المؤسساتُ وجهاتُ التمويل أن يتلقى الباحثون تدريبًا استقصائيًّا واحدًا تلو الآخر، لذا يتلقى الباحثُ التدريب نفسه عدة مرات، من غير دليل يُفيد أن لهذا التدريب قيمةً كبيرة فيما يتعلق بتجنُّب التدليس أو حماية المرضى أو رفع مستوى النزاهة العلمية.

بدأت التجاربُ السريرية بالفعل في استخدام بعض الأساليب لمتابعة المشاركين عن بُعد، فكيف أدت الجائحة إلى الإسراع من وتيرة هذه التوجُّه؟

لقد فرض "كوفيد-19" علينا حتمية العمل عن بُعدٍ؛ فقد أثارت الجائحة السؤال الآتي: ما الأشياء المهمة التي تستدعي إجراء الزيارة البحثية وجهًا لوجه؟ لا أستطيع سحب الدم عبر الهاتف أو الفيديو، لا أستطيع فحص شخص ما عبر الفيديو، لكنك قد تُفاجئين إذا علمتِ أنني فحصت من قبل تورمًا في كاحلي أحد المرضى عبر مكالمة فيديو، هناك الكثير من الأشياء التي يمكننا فعُلها عن بُعد.

أحدُ الأمثلة التي شاركتُ فيها تجربةٌ سريرية شبه افتراضية لمقارنة عقار "وارفارين"warfarin  (الذي يمنع تجلط الدم) بمضاد تجلط آخر يُؤخذ عن طريق الفم، وهو "أبيكسابان" apixaban وذلك بالنسبة للمرضى الذين لديهم نوعٌ معين من الصمام الأبهري الاصطناعي، يُبلغنا الناس بموافقتهم على المشاركة عبر الهاتف، ويُشحَن عقارُ الدراسة مباشرةً إلى المريض، وما دامت صحة المريض جيدة، فلا داعي لحضوره لدينا بنفسه؛ فكل شيء يتمُّ عبر الهاتف، وتسير الأمور على ما يرام.

هل يجب أن تستمر التجاربُ الافتراضية عندما ينتهي خطرُ تعرُّض المشاركين للإصابة بمرض "كوفيد-19"؟

نعم، بكل تأكيد؛ فالتجاربُ الافتراضية تُعزِّز من نسب المشاركة، لقد وضعنا كمًّا هائلًا من الحواجز؛ فإذا أراد الناس المشاركة في التجارب، فعلينا أن نُيسِّر الأمر لهم، على سبيل المثال، لا يشعر مجلس المراجعة المؤسسي ومحامونا المؤسسيون بالارتياح إزاء الاستعانة بأشخاصٍ لا تربطهم علاقةٌ بمنظومة ديوك الصحية، ومصدر قلقهم هو: "ماذا لو حدث خطأ ما؟ إلى أين سيذهبون؟"، حسنًا، سيذهبون إلى طبيبهم أو إلى مستشفى قريب.

يتمحور الكثيرُ من الأشياء المتعلقة بالأبحاث السريرية حول الموقع الاستقصائي، فهنالك مرحلة إبرام العقود بالموقع، ومجلس المراجعة المؤسسي الخاص بالموقع، والسجلات الطبية بالموقع التي تُستخدم كتوثيقٍ للزيارة البحثية، وهذا النموذج الجديد [لإجراء التجارب عن بُعد] بدأ يشكك في كل ذلك.

هل ترى وسائل أخرى من شأنها أن تُحسِّن من التجربة البحثية بالنسبة للمشاركين؟

إذا استطعنا جعل الخطوات أسهل وأقل تكرارًا في التجارب، فسنجذب مزيدًا من المشاركين؛ فعلى سبيل المثال، هل نحتاج حقًّا إلى قوة عملٍ مخصَّصةٍ بالكامل للأبحاث السريرية؟ بوجهٍ عام، الممرضون السريريون لديَّ لا يَعدُّون البحثَ جزءًا من وظيفتهم، ومنسقو الأبحاث لديَّ لا يعتقدون أن الرعاية السريرية جزءٌ من وظيفتهم، لماذا لا نحاول جعل البحث والرعاية السريرية أكثر سلاسةً وتكاملًا بحيث تُصبح المشاركة في الأبحاث أقل عبئًا على المرضى والمنظومة بأكملها؟

ما التغييرات الأخرى التي يمكن أن تجعل البحث أكثر كفاءةً وأقل إرهاقًا؟

من بين تلك التغييرات إصلاحُ مجالس المراجعة المؤسسية؛ فأنا، على سبيل المثال، أُجري تجارب سريرية كبيرة فيما يتعلق بأمراض القلب، وذلك بالشراكة مع القطاع الصناعي؛ بهدف دراسة العقاقير التي تخضع لمراقبة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وغيرها من الهيئات الرقابية، في إحدى تلك التجارب، كان لدينا أكثرُ من 1000 موقع سريري في 37 بلدًا، وكان لكل موقع مجلسُ المراجعة المؤسسي الخاص به، بمعنى أنه كان لدينا 1000 مجلس مؤسسي لمراجعة هذا البروتوكول، هبْ أن كل مجلس مكون من 10 أشخاص، هذا معناه أن هنالك 10000 شخص يراجعون هذا البروتوكول، وهذا البروتوكول خضع بالفعل لمراجعاتٍ من جانب الرعاة، واللجنة التوجيهية الأكاديمية، وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وجهات رقابية أخرى، وقد أضافوا إليه اللمسات الأخيرة، ولا يمكن لمجالس المراجعة المؤسسية المحلية تغيير البروتوكول، كل ما يمكنهم فعله هو اتخاذ القرار بشأن المشاركة من عدمها، وإجراء تغييرات طفيفة على نماذج الموافقة المحلية، إذًا، ما الفائدةُ التي تتحقق من مراجعة 1000 مجلس مؤسسي للبروتوكول؟

كلُّ مجلس يتقاضى (بالقدر المناسب) أموالًا لمراجعة البروتوكول؛ فهو يشترط تقاضي 1000 أو 2000 دولار أمريكي، ومن ثم فإن الأمر يتطلب الكثير من المال والوقت، وجميع هؤلاء المراجعين الأذكياء لديهم آراءٌ، ويجب التعامل مع كل رأي منها، لنفترض أنه يمكنك بالفعل استبعاد جميع مجالس المراجعة المؤسسية، باستثناء واحدٍ فقط، لإجراء تجربة سريرية كبيرة على مستوى مراكز متعددة، هذه فرصة كبيرة لتحقيق الكفاءة.

هل تحقيق المزيد من الكفاءة من شأنه أن يُسهِم في توفير الموارد لإجراء أبحاث إضافية؟

نعم، لكن سرَّ هذا التحوُّل هو السعي لتحقيق الجودة والكفاءة معًا؛ فكلاهما مهم في واقع الأمر، بسبب عملياتنا المرهقة وغير الفعَّالة، والوقت والموظفين والموارد الإضافية التي تتطلبها، نُجري عددًا قليلًا جدًّا من التجارب السريرية، والعديد من التجارب التي نُجريها لا ترقى إلى مستوى الأسئلة التي يتعين الإجابة عنها، وإذا بسَّطنا البنية التحتية البحثية، يمكننا تحقيق الكثير للارتقاء بالعلوم الطبية ورعاية المرضى.

هل تأمل أن تستمر مثلُ هذه التغييرات المُجراة على التجارب بعد انتهاء الجائحة؟

الأبحاث السريرية هو مشروع عالي المخاطر يخضع لرقابة مُشدَّدة، والتغيير في منظومةٍ كهذه أمر صعب؛ فهناك أشخاصٌ قد يخسرون، وهؤلاء الأشخاص جُلُّ وظيفتهم أن يؤدوا تلك الأشياء التي نتباحث حول كونها تُمثِّل جوانب قصورٍ في الكفاءة، انظر مثلًا المنظمات البحثية التعاقدية، إن الكثير مما يفعلونه سيندثر؛ فهم يفعلون كل الأشياء التشغيلية المطلوبة لإنجاز 1000 عملية مراجعة مؤسسية، لقد سلَّط "كوفيد-19" الضوء على الحاجة إلى إجراء تغييرات، وأعطانا دفعةً بالفعل لتحقيق بعضٍ منها، لكنني أعتقد أن هنالك خطرًا من أن ننجرف مرةً أخرى إلى الوراء عندما تزول الجائحة.