استطاع باحثون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية استخلاص بياناتٍ غزيرةٍ من فضلات المراحيض، إذ تمكّن العلماء للمرة الأولى من رصد متحورات معينة من فيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2 في الصرف الصحي قبل ظهورها في مراكز الفحص بأسابيع، يقول روب نايت، اختصاصي الأحياء الدقيقة بجامعة كاليفورنيا في مدينة سان دييجو الأمريكية، والمؤلف المشارك بالدراسة التي نُشِرَت في دورية Nature في السابع من يوليو: إن البيانات المستخلَصة من مياه الصرف كشفت عن "موجات متتالية من الفيروسات المختلفة"، يقول نايت إنه بالإمكان توظيف هذا المنهج في المستقبل لاكتشاف المتحوِّرات الناشئة، وتطوير سبل استجابة قطاع الصحة العامة؛ إذ أكد نايت قائلًا: "عندما تظهر السلالة القادمة، سنكون مستعدين لها".

وقد استعانت مجموعات بحثية في جميع أنحاء العالم بنهج مراقبة الصرف الصحي لاكتشاف فيروس «سارس-كوف-2»، غير أن هذه العمليات لم ترصد سوى وجود الفيروس وكميته، وهي البيانات التي استُعين بها فيما بعدُ لتقدير حجم انتشار الفيروس وسط جماعةٍ ما، ولكن الجهود الساعية إلى تحديد نوعية المتحورات المنتشرة ومدى انتشارها ظلت قاصرة، نتيجة عدم موثوقية البيانات المتوافرة.

وللتغلُّب على هذه العقبة، طوَّر الفريق البحثي في جامعة كاليفورنيا طريقةً تعتمد على الكريات النانوية لتحقيق الزيادة في كميات الحمض النووي الريبوزي الفيروسي التي يمكن إخضاعها لتحليل التسلسل الجينومي بعد استخراجها من عينات مياه الصرف، لم تكن الأساليب المستخدمة سابقًا تتيح للعلماء تحليل التسلسل لأكثر من 40% من الـحمض النووي الريبوزي الفيروسي في العينة الواحدة، بيد أن الاعتماد على الكريات النانوية مكّن الباحثين من تحليل تسلسل نحو 95% منه، كما ابتكر الفريق أداةً تُسَمَّى «فريجا» Freyja لتحديد نوعية المتحورات في كل عينة، ونسبة وجودها.

عينات الصرف الصحي

احتاج العلماء ما يقرب من عام كامل لاختبار هذه الطريقة؛ إذ جمعوا العينات من إحدى محطات معالجة الصرف الصحي في سان دييجو التي تعمل على معالجة مياه الصرف التي يخلّفها ما يقرب من 2.3 مليون شخص، إذ كان جمع البيانات قد بدأ في فبراير عام 2021، كما جمع العلماء مياه الصرف من بالوعات ومواسير الصرف الصحي في أكثر من 130 موقعًا بحرم جامعة كاليفورنيا في مدينة سان دييجو على مدى عشرة أشهر.

هكذا، استطاع الباحثون رصد المتحورَين «ألفا» Alpha و«دلتا» Delta من فيروس كورونا في مياه الصرف قبل نحو أسبوعين من ظهور هاتين السلالتين في المسحات والفحوص داخل المراكز الطبية، كما رصدوا متحور «أوميكرون» قبل اكتشاف أول إصابةٍ به في مدينة سان دييجو بنحو عشرة أيام، وتتبَّعوا موجة صعود المتحور «بي إيه وان» BA.1 من سلالة «أوميكرون» بين سكان المدينة.

وقد ظل الباحثون يكتشفون في الحرم الجامعي كمياتٍ كبيرةً من المتحورَين «ألفا» و«دلتا» والمتحور «إبسيلون» Epsilon الأقل شهرة، الذي رُصدت معظم الإصابات به في الولايات المتحدة الأمريكية، كان هذا أمرًا غريبًا؛ لأن تلك المتحورات كانت قد أوشكت على الاختفاء التام في الفحوص الطبية طيلة أسابيع كاملة، وفقًا لما ذكره جوشوا ليفي، عالِم الرياضيات التطبيقية في معهد سكريبس البحثي في مدينة لاخويا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، والذي شارك في كتابة البحث.

تقول أنا ماريا دي رودا هوسمان، الباحثة في علم الأمراض المُعدية بالمعهد الوطني الهولندي للصحة العامة والبيئة في مدينة بيلتهوفن: إنه لم تتضح بعدُ فاعلية هذا المنهج في تتبُّع الانتشار السريع للمتحورَين «بي إيه فور» BA.4 و«بي إيه فايف» BA.5 من سلالة «أوميكرون»، اللذَين يصعب التمييز بينهما حتى الآن.

كذلك يضيف فونج تاي -اختصاصي علم البيئة بجامعة كوينزلاند في مدينة بريسبان بأستراليا- أن التوصل إلى نظام إنذار مبكر للكشف عن متحورات بعينها لا يزال أمرًا بعيدًا، إذا أخذنا في الاعتبار أن معالجة النتائج بعد جمع العينة تستغرق حوالي أسبوعين، يقول تاي: "إذا كنت تريد ابتكار طريقة تقدم خدمةً حقيقيةً لقطاع الصحة العامة، فلا بد أن يكون لها القدرة على إظهار النتائج في غضون أيام".

ولكن نايت يقول إن فريق البحث استطاع تقليص الوقت اللازم لتحليل تسلسل الحمض النووي الريبوزي في العينات من أسابيع إلى أيام، وهو الأمر الذي من شأنه أن "يغير قواعد اللعبة".

أعيد نشر المقال بعد الحصول على الموافقات اللازمة، وكان قد نُشِرَ لأول مرة في الثامن من يوليو عام 2022.