قد تصاب الدلافين أحيانًا بتهيُّج في الجلد، شأنها في ذلك شأن البشر، بيد أن دلافين المحيطين الهندي والهادئ ذات الأنف القاروري aducus Tursiops، التي تعيش في منطقة شمال البحر الأحمر، بدلًا من أن تضع دهانًا لعلاج المنطقة المصابة، تتجه إلى البحث عن أقرب منطقة للشعاب المرجانية، تصطف الدلافين أمام الشعاب المرجانية والإسفنجيات لكي تحك جلدها، تمامًا مثل مجموعة من الزبائن ينتظرون دورهم في منتجع صحي معروف.

بعض هذه الكائنات لا يقتصر دورها على مساعدة الدلافين على حك جلدها المتهيج فحسب، بل يتخطى ذلك إلى ما هو أبعد؛ ففي دراسة حديثة نُشِرَت في دورية «آي ساينس» iScience، اكتشف فريق دولي من الباحثين أن المخاط الذي تفرزه بعض الشعاب المرجانية والإسفنجيات ذات الصلة يكون مُشبَّعًا بمركبات مضادة للبكتيريا وغيرها من مواد أخرى يَرجُح أن تكون لها فوائد كبيرة، يفترض الفريق أن الدلافين المحلية تتجمع بالقرب من هذه اللافقاريات المفيدة للحصول على علاج فعال للالتهابات التي تصيب جلودها، وعلى الرغم من أن العلماء رصدوا سلوك فرك الجلد المشار إليه أعلاه لدى حيوانات أخرى تنتمي إلى طائفة الحيتانيات مثل الحوت القاتلOrca  والحوت الأبيض Beluga، فإن مشهد الدلافين وهي تفرك جلدها في الشعاب المرجانية نادرًا ما تم رصده، لهذا السبب حظيت الدلافين التي تتردد بصفة متكررة على الشعاب المرجانية قبالة السواحل المصرية باهتمام بالغ من الباحثين والسائحين على حدٍّ سواء، لدرجة أنها كانت موضوعًا لحلقة وثائقية من حلقات سلسلة «الكوكب الأزرق- الجزء الثاني»، التي تُذاع على قناة «بي بي سي».

تقول أنجيلا زيلتنر، المؤلفة المشاركة للدراسة وعالِمة الأحياء البحرية في جامعة زيورخ بسويسرا، التي ظلت تراقب تصرفات ما يقرب من 360 من الدلافين قارورية الأنف في البحر الأحمر منذ عام 2009: إن ذلك السلوك غير المعتاد في حقيقته أكثر تعقيدًا مما قد يبدو للوهلة الأولى، وتضيف زيلتنر: "عندما كنت أغوص في البحر الأحمر، كنت ألاحظ الدلافين وهي تؤدي ذلك السلوك الفريد حقًّا أمام شعاب مرجانية ]معينة[، وكنت دائمًا أتساءل: ماذا يحدث هنا؟"، على ما يبدو فإن الدلافين كانت تختار تلك الشعاب المرجانية والإسفنجيات بعناية، كما بدا أنها تفرك مناطق بعينها من الجلد في أجزاء محددة من تلك الشعاب المرجانية والإسفنجيات، فمثلًا كانت الدلافين تفرك أجزاء الجسم الأكثر حساسيةً في الشجيرات الكثيفة من الشعاب المرجانية الجورجونية Rumphella aggregata ناعمة الملمس، وهي ممارسة أطلق عليها الباحثون اسم «gorgoning»، أي فرك الجلد في الشعاب المرجانية الجورجونية، في حين تحك الدلافين المناطق الصلبة من أجسادها مثل الرأس وفلقة الذيل بالسطح المجعد لنوع من المرجان الجلدي من جنس «ساكروفايتون» Sarcophyton والإسفنج البحري القاسي من جنس «إرسينيا» Ircinia.

بعد أن أمضت زيلتنر أكثر من عقد من الزمن في مراقبة الدلافين تحت الأمواج، خَلُصت إلى أنه لا بد من وجود ما يميز تلك الشعاب المرجانية والإسفنجيات عن غيرها، تقول عن ذلك: "هناك كثيرٌ من الشعاب المرجانية الأخرى، لكن الدلافين تتجاهلها تمامًا، يبدو الأمر كما لو أن ثمة علاقة بين هذه الشعاب المرجانية والإسفنجيات تحديدًا والدلافين".

ركزت زيلتنر وزملاؤها في دراستهم لهذه العلاقة على جانب محدد من هذه العلاقة التفاعلية، بدا أن له تأثيرًا واضحًا على هذين المخلوقين، وهو المخاط؛ فعندما تفرك الدلافين جلدها في الشعاب المرجانية والإسفنجيات، ينتج عن هذا الاحتكاك أن الزوائد اللحمية في الشعاب المرجانية المستثارة تفرز مادةً سائلةً تتسبب في بعض الأحيان في صبغ جلود الدلافين باللونين الأصفر الفاتح أو الأخضر، بل إن الباحثين شاهدوا أحد الدلافين المتحمسة وهو ينتزع قطعة من المرجان الجلدي من الشعاب ويحركها داخل فمه، تمامًا مثلما تلهو الكلاب بلعبة العض، وذلك على ما يبدو لكي يدفعها نحو إفراز السائل المخاطي الموجود بداخلها.

وفي إطار سعيهم لدراسة التكوين الجزيئي لهذا السائل المخاطي، جمع الباحثون عيناتٍ صغيرةً من المرجان الجورجوني والمرجان الجلدي والإسفنج من جنس إرسينيا من منطقتين للشعاب المرجانية عادةً ما تتجمع عندهما الدلافين، ثم عندما عاد الباحثون على متن القارب وضعوا العينات في الثلج قبل إرسالها إلى المختبر الخاص بجيرترود مورلوك، اختصاصية الكيمياء التحليلية بجامعة يوستوس ليبيش في مدينة جيسِن بألمانيا، والمؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة، وبعد إخضاع العينات لعديد من الاختبارات تعرفت مورلوك وزملاؤها على 17 مركبًا أيضيًّا بمقدورها محاربة سلالات بكتيرية عديدة، والحيلولة دون وقوع بعض العمليات الخلوية الضارة، وضمان التوازن الهرموني لبشرة الدلافين.

يشير الباحثون إلى أن الدلافين تتعمد استخدام تلك الشعاب المرجانية والإسفنجيات لتغطية الأماكن المصابة من الجلد بهذا السائل المخاطي اللزج الزاخر بمركبات أيضية، تمامًا مثلما يفعل البشر عندما يضعون مرهمًا لتسكين الألم الناتج عن طفح جلدي، في حال ثبوت صحة هذه الفرضية، ستنضم الدلافين إلى قائمة متنامية من الحيوانات التي تعالج نفسها ذاتيًّا؛ ففي عالم التداوي البري للحيوانات، المعروف بعلم العلاج الذاتي للحيوانات Zoopharmacognosy، تَستخدم مجموعة متنوعة من المخلوقات -بدءًا من القردة العليا وانتهاءً بالحشرات- علاجاتٍ طبيعيةً لكي تبقى بصحة جيدة على الدوام، من الأمثلة على ذلك الشمبانزي المعروف بالتهامه أوراق النباتات الضارة لتساعده على الهضم، وذبابة الفاكهة التي تتناول الكحول لتتخلص من الطفيليات المميتة.

Credit: Angela Ziltener (CC BY-SA)

يقول برونو دياز لوبيز، الباحث في معهد بحوث الدلافين قارورية الأنف في إسبانيا، والذي لم يشارك في الدراسة: إنه لا بد من إجراء المزيد من الأبحاث السلوكية قبل أن يُضاف الدولفين الذي يفرك جلده في الشعاب المرجانية إلى القائمة المثبتة للحيوانات التي تعالج نفسها علاجًا ذاتيًّا، جديرٌ بالذكر أن لوبيز قد رصد من خلال عمله البحثي دلافين تفرك جلودها بقوة في الصخور والأجزاء السفلية المغمورة بالمياه من سفن الشحن، بل في جلود إخوانها من الدلافين الأخرى أيضًا، يقول لوبيز عن ذلك: "لا نعلم حقًّا حتى الآن ماذا يدور بعقل الدلافين عندما تسلك هذا السلوك؛ فقد يكون السبب مقتصرًا على الرغبة في الاستمتاع الذاتي مثلما يفعل الدب عندما يحك ظهره بجذع شجرة"، ويضيف لوبيز أن المخاط الذي تفرزه الشعاب المرجانية المشبع بمركبات أيضية قد يكون أيضًا مجرد منتج ثانوي غير مقصود ناتج عن فرك الدولفين الشديد لجلده في تلك الشعاب.

تتفق زيلتنر مع لوبيز في ضرورة التوصل إلى مزيد من الأدلة على أن الدلافين تمارس هذا السلوك بقصد العلاج الذاتي، بيد أنها ترى أن النتائج الجديدة تُعد خطوةً مثيرةً للاهتمام، تقول زيلتنر: "كنا بحاجة إلى إثبات أن تلك الشعاب المرجانية والإسفنجيات تحتوي على مواد مضادة للبكتيريا لتأكيد هذه العلاقة الارتباطية، أما الآن، فمن الضروري الاستمرار في مراقبة الدلافين تحت الماء".