الحياة قصة تبدأ بفصل الولادة وتنتهي بفصل الموت، ولكننا نرحب بأحدهما بينما نخشى الآخر، فما السر وراء احتفائنا بالولادة ورفضنا مجرد ذِكر الموت؟

عندما كانت إحدى صديقاتي تنتظر مولودها الأول، وجدت أنها بحاجة إلى دعم إضافي خلال مدة حملها، الأمر الذي دفعها لتعيين "دولا" أو مدربة ولادة، إن فكرة مساعدة النساء لأخريات في أثناء الولادة ليست بجديدة؛ فمنذ فجر التاريخ، كانت النساء تتمخض وتلِد في بيوتهن تحت إشراف قابلة وبحضور الصديقات والقريبات، كانت هذه الرِّفقة الحميمة بين النساء -وهي ظاهرة كانت ذات يوم عابرةً للثقافات- وسيلةً لتوفير الدعم في أثناء الولادة، فضلًا عن تناقل الخبرات حول شؤون الحمل والولادة وتربية الأبناء.

كان الحراك الداعم للولادة الطبيعية في ستينيات القرن العشرين قد نادى بالعودة إلى هذا التوجه، إذ طالبت النساء باللجوء إلى الولادة دون استخدام أدوية وبأدنى تدخل طبي ممكن، ومن هنا نشأت فكرة مدربة الولادة، وهي مُقدِّمة رعاية ليس لها صفة طبية، ولكنها تساعد النساء الحوامل في الانتقال إلى مرحلة الأمومة.

فهل يمكن تطبيق الفكرة ذاتها على الموت؟ إن رعاية المُقبِلين على الموت قد سلكت في تطورها مسارًا مشابهًا لذلك الذي سلكته رعاية المُقبِلات على الولادة؛ فعلى امتداد أغلب تاريخ البشرية، كان الناس يتلقون الرعاية ويموتون في بيوتهم، بل كانت الجثث تُعرَض على طاولة غرفة الطعام على سبيل الحداد، ولكن هذا التقليد بدأت ملامحه في التغيُّر في منتصف القرن العشرين؛ إذ شهد المجتمع تطوراتٍ كبيرةً على الصعيد التكنولوجي الطبي من حيث تشخيص الأمراض وعلاجها، أدت تلك التطورات إلى انتقال خدمات الرعاية الصحية من الطبيب المحلي الذي كان يُجري زيارات منزلية، إلى المستشفيات التي توفر الإقامة للمرضى، وبالتالي، عندما كان الناس يمرضون، كانوا يذهبون إلى المستشفى ويموتون هناك في نهاية المطاف؛ ففي عام 1980، على سبيل المثال، توفي 60.5% من الأفراد في المستشفيات، بلغ هذا الرقم ذروته في منتصف الثمانينيات، لكنه تراجع منذ ذلك الحين بشكل مُطَّرِد؛ وذلك استجابةً لتصاعُد الحراك الذي يطالب بالحد من التدخل الطبي والمؤسسي في الموت ليتم في ظروف أكثر طبيعية، وبحلول عام 2016، تراجع عدد الأشخاص الذين يموتون في المستشفيات إلى النصف (29.4٪)، وهو ما يعادل تقريبًا عدد الأشخاص الذين يموتون في بيوتهم (30.5٪)، يبدو هذا الاتجاه مبشرًا، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة أن 71% من الناس يفضلون الموت في بيوتهم.

أعمل مدربةً للمُقبِلين على الموت، أو مدربة للمُقبِلين على نهاية العمر، وهو المصطلح الأكثر شيوعًا حاليًّا، يُعزى ظهور هذه الوظيفة إلى الوعي المتزايد بوجود طرق أكثر إنسانيةً ورحمةً للموت والرغبة المتنامية في تبنِّي هذه الطرق، وعلى غرار مدربات الولادة، فإن مدربي نهاية العمر هم أيضًا متخصصون غير طبيين، يقدمون الدعم العاطفي والروحاني والمعرفي والمادي، ولكن ليس في أثناء الولادة، بل يقدمونها في الفصل الأخير من الحياة، أي عند الوفاة.    

تأمل هذا المثال لرجل مسن يعاني مرضًا عضالًا ويخشى الموت، إنه يخشى على الأسرة التي سيتركها وراءه –زوجته وأبنائه وأحفاده– ويتساءل كيف سيتأقلمون مع الحياة بعد رحيله، ولكنه لم يُعرب عن هذا الخوف لأطبائه أو لزوجته المنشغلة بالفعل بالتعامل مع الكثير من الأمور القاسية، هنا يأتي دوري، أُنصت لهذا الرجل، وأُتيح مساحةً لاستيعاب يأسه وقلقه إلى أن يدرك أن خوفه نابع عن حب عميق لعائلته، فيحتسي الشمبانيا معهم وهو على فراش الموت، إن التصالح مع الأمور المهمة قد يمنح المرء السلام النفسي الكافي لتقبُّلها.

يتعامل مدربو نهاية العمر مع الأشخاص الذين يعانون من أمراض خطيرة وهم على وشك الموت، كما يخدمون أيضًا هؤلاء الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة ولا يريدون سوى الاستعداد للموت، من الناحية العملية، يمكن لمدربي نهاية العمر تقديم المشورة بشأن توجيهات الرعاية المسبقة والتخطيط لطقوس الحداد وخيارات ما بعد الوفاة، والمساعدة في استعراض محطات حياة المرء وما سيُخلِّفه من إرث، وفيما يتعلق بالمسائل العاطفية، يمكن لمدربي نهاية العمر تيسير سبل الحوار حول القضايا العالقة أو العلاقات الأسرية المعقدة، وإتاحة مساحة للتعبير عن المخاوف والشكوك المتعلقة بالموت والوفاة، عندما نكون مستعدين للموت، نكون أكثر قدرةً على مواجهته لحظةَ حدوثه.

تأمل مثالًا آخر لامرأة مسنة أرادت الموت في المنزل، إلا أن ابنها أخذها إلى المستشفى؛ فهو لم يعد بإمكانه تحمُّل مشاهدة والدته وهي تموت في ألم مبرح، ومن ناحية أخرى، تريد إدارة المستشفى أن تمنحها تصريحًا بالخروج لأنها لا تعاني من مشكلة خطيرة، وليس هناك ما يمكن فعله حيال وضعها الصحي في هذه المرحلة المتقدمة من العمر، تنزعج الأسرة من رد فعل المستشفى فتتصل بي، عندها أقترح عليهم أن يطلبوا لها استشارة ضمن نطاق خدمات الرعاية التلطيفية، وفي النهاية، تُمنَح الأم خطةً مناسبةً لإدارة الألم وتنتقل إلى مركز لرعاية المحتضرين، كيف لك أن تعرف طلبك إذا كنت لا تعرف الخيارات المتاحة؟

إن الرعاية التلطيفية ورعاية المحتضرين هي فلسفات رعاية تركز على الراحة وإدارة الأعراض لتخفيف الألم والمعاناة، وكلا الخيارين متاحٌ للأشخاص المصابين بأمراض خطيرة، وبينما يمكن تقديم الرعاية التلطيفية بشكل متزامن مع الرعاية العلاجية، فإن رعاية المحتضرين عادةً ما تقتصر على أولئك الذين لم يعودوا يسعون إلى الحصول على الرعاية العلاجية.

يدعم مدربو نهاية العمر رغبات الشخص المحتضر واحتياجاته؛ إذ نعمل جنبًا إلى جنب مع فريق الرعاية الصحية من أجل تقديم الرعاية المستمرة، كما ننسق مع شبكة الدعم المتاحة المكونة من العائلة والأصدقاء أو نساعد في إنشاء نظام الدعم اللازم، إننا نسد الفجوات التي قد تشوب نظم الرعاية، ونؤدي المهمات التي يصعب القيام بها أو مواجهتها، وفي أثناء كل ذلك، يمكن لوجودنا أن يمنح السكينة لأحباء الشخص المحتضر وللشخص المحتضر نفسه، ولا سيما إذا كان ذلك الشخص يواجه الموت بمفرده.

تأمل حالة رجل في منتصف العمر يرقد على فراش الموت في لحظة الاحتضار الفعلي حيث تغيب الاستجابة كليًّا، صوت أنفاسه هو صوت "حشرجة الموت"، ويعاني جسده تشنجات عنيفة من حين إلى آخر، تجلس بجانبه سيدة ضئيلة البنية، هي عمته التي تتألم لرؤية ابن أخيها يموت بهذه الطريقة، بعد تكوين علاقة قائمة على الثقة مع هذه السيدة، أسعى إلى التهدئة من روعها وتشجيعها على التحدث إليه، تستجيب العمة لي بامتنان، وتتنبَّه إلى أن بإمكانها إحداث فرق يساعد ابن أخيها، يموت الرجل في سلام، مغمورًا بدفء الضوء الخافت والموسيقى والحب، في بعض الأحيان، كل ما يحتاجه أحد أحباء المحتضر هو الإذن بأن يكون مشاركًا فعالًا في هذه العملية وأن يحوِّل العجز إلى قوة.

لا مفر من ارتباط الموت بمشاعر الحزن والفقدان، ولكن ثمة مشاعر إيجابية قد تصاحبه أيضًا، من قبيل الحب والتقدير والاعتزاز، من الممكن أن تشعر بمشاعر تبدو متناقضةً في آنٍ واحد؛ فالموت فقدان، والحزن هو التعبير الطبيعي عن الحب.

في رحلة نهاية العمر، مهمتنا كمدربين هي أن ندعمَك ونشجعَك ونرافقَك ونرشدَك ونُصغيَ إليك ونُشعِرَك بالراحة والأمان، سنكون لك كما تحتاجنا أن نكون؛ كي تتمكن من مواجهة هذه المرحلة الصعبة والعصيبة والمشحونة بالعواطف؛ فلا ينبغي لمَن يحتاج إلى الدعم في نهاية العمر أن يرحل دون أن يتلقاه.

هذه المقالة تحليلية وتعبر عن رأي مؤلفها.