في الحادي عشر من يوليو، خيَّم الذهول والإعجاب على العالم عندما نُشِرَت أعمق صورةٍ فلكية التُقِطَت على الإطلاق، وهي الصورة التي التقطها تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي (JWST)، أحدث المراصد الرائدة التابعة لوكالة ناسا، في تلك الصورة، التي خلفيتها عبارة عن عنقودٍ مجرِّي يُسمى SMACS 0723، ويَظهَر كما كان يبدو قبل 4.6 مليارات سنة، نرى عددًا لا يُحصى من المجرات مختلفة الأشكال والأحجام، تبدو كأحجارٍ كريمةٍ ساطعةٍ وسط ظلام الكون، بعض هذه المنارات البعيدة كانت تَسطع بالفعل عندما كان عمر الكون بضع مئاتٍ من ملايين السنين فقط، ولفهم الكيفية التي وصلنا بها إلى هذا الإنجاز اللافت، الكيفية التي أبحر بها علماء الفلك إلى جزرٍ مجرِّيَّةٍ بعيدةٍ عنَّا إلى هذه الدرجة في المكان والزمان، وجمعوا بها فوتوناتٍ بدأت رحلتها في وقتٍ قريبٍ للغاية من الانفجار العظيم، فمن المفيد أن نعرف كيف بدأت ممارسة التقاط تلك الصور، المعروفة بالأرصاد العميقة deep-field observations.

حين يتعلق الأمر بنشأة الصور العميقة التي التقطها تلسكوب «جيمس ويب»، فالأفضل أن نعود إلى أوائل التسعينيات، حين أُطلِقَ سلفُه، تلسكوب «هابل» الفضائي، كان مفهوم الأرصاد العميقة ما زال في مهده آنذاك، وكان تلسكوب «هابل» مُصمَّمًا في الأصل لما يُعرف بالأرصاد الاستهدافية targeted observations، التي يُوجِّه علماء الفلك فيها التلسكوب إلى مصدرٍ في منطقةٍ معينةٍ من السماء، ثم يستخدمون تقنيتَي التعريض أو الدمج وفق الحاجة، اعتمادًا على مدى سطوع المصدر، لكنَّ «هابل» كان يُمكِن استخدامه أيضًا في التصوير العميق، وهي عمليةٌ تقتضي عكس الإجراء السابق، فيها يُوجِّه علماء الفلك التلسكوب إلى منطقةٍ في السماء خالية من أي مصدرٍ مرئي، ثم يستخدمون زمنَ تعريضٍ طويلًا للوصول إلى "أعماق" الكون، من أجل رصد أكبر عددٍ ممكنٍ من مصادر الضوء الخافتة، ومن موضعه الكامن في المدار الأرضي المنخفض، فوق محيط هواء كوكبنا الذي يُشتِّت ضوء النجوم، كان تلسكوب «هابل» آنذاك أفضل أدوات التصوير العميق التي عرفها علماء الفلك على الإطلاق.

لكن لم يكن الجميع يرون أنَّ هذا النهج سيُحدث طفرةً ثورية؛ ففي مقالٍ شهيرٍ نُشر في دورية «ساينس» Science عام 1990، أشار جون باكال وزملاؤه في معهد الدراسات المتقدمة إلى أنَّهم لا يعتقدون أنَّ الصور العميقة التي يلتقطها «هابل» ستكشف مجراتٍ أكثر بكثير ممَّا تكشفه التلسكوبات الأرضية، باكال كان عملاقًا من عمالقة الفيزياء الفلكية، واشتهر على نطاقٍ واسع بفضل حلِّه الذي قدَّمه لمشكلة النيوترينوات الشمسية، وحساباته لتوزيعات النجوم حول الثقوب السوداء فائقة الضخامة، وكانت له إسهاماتٌ أساسيةٌ في تطوير تلسكوب «هابل»، منذ وضع فكرته المبدئية في السبعينيات وحتى إطلاقه، ومع أنَّه كان يعتقد أنَّ صور «هابل» العميقة لن تكشف مجموعاتٍ جديدةً من المجرات، توقع باكال أنَّ مثل هذه الصور يمكن أن تدعم دراسة مورفولوجيا المجرات الخافتة وديموغرافيا أشباه النجوم (الكوازارات quasars، وهي كلمةٌ قديمةٌ بعض الشيء، كانت تُستخدم للتعبير عن الثقوب السوداء التراكمية فائقة الضخامة).

وبسبب هذه التوقعات الفاترة، لم تكن هناك أي حاجةٍ مُلحَّة إلى تجربة التصوير العميق بتلسكوب «هابل»، ولذا لم تُجرَ المحاولة الأولى إلا قُرابة عطلات شتاء عام 1995، بعد أن خضعت عدساته لعملية إصلاحٍ كانت في أمسِّ الحاجة إليها، في تلك المحاولة، نفَّذ التلسكوب عملية تعريض لمدة 10 أيام، حدَّق فيها إلى بقعةٍ بالغة الصغر من الفضاء في كوكبة الدب الأكبر، النسبة بين عرض تلك البقعة والقُطر الزاوي للقمر تبلغ 1 إلى 13، وبعد أسابيع، عندما رأى علماء الفلك الصورة الناتجة، المعروفة باسم «الشمال العميق»، أدركوا فورًا أنَّها كانت هديةً قيِّمةً لن تُنسَى؛ فنجوم مجرة درب التبانة شحيحةٌ في تلك المنطقة، ما أتاح للتلسكوب أن يسبر تلك الهاوية الكونية، كما لو كان شخصًا يُدقِّق النظر فيما وراء بابٍ عبر ثقبٍ فيه؛ إذ تمكَّن التلسكوب من رؤية حوالي 3 آلاف مجرة ​​خافتة ذات أشكالٍ وأحجامٍ مختلفة، أي أكثر بكثير مما كان متوقعًا، وبعضها يقع على بُعد 12 مليار سنة ضوئية، ولم يكن «هابل» بهذا يستكشف الفضاء فحسب، بل كان يستكشف الزمان أيضًا، إذ جمع ضوء النجوم الذي انبعث منذ دهور، خلال حقبٍ سابقة من عمر الكون، وسرعان ما حظيت تلك الصورة بشهرةٍ واسعة.

وهنا طُرِحَ سؤالٌ حاسم: هل كانت المنطقة الغنية بالمجرات التي كشفت عنها صورة «الشمال العميق» هي القاعدة؟ أم أنَّ علماء الفلك كانوا محظوظين -أو سيئي الحظ، اعتمادًا على منظورك- ووجهوا التلسكوب بالصدفة نحو تجمعٍ ضخمٍ من المجرات؟ ثم التقط التلسكوب بعدها صورة «الجنوب العميق»، عام 1998، كان زمن التعريض في تلك الصورة مساويًا لزمن التعريض في الصورة الأولى، لكنَّ التلسكوب كان موجهًا نحو نصف الكرة السماوي الجنوبي، بعيدًا قدر الإمكان عن البقعة الأولى، وأكدت هذه الصورة الجديدة أنَّ عدد المجرات التي يحويها الكون أكبر بكثير ممَّا كان يعتَقَد سابقًا، وخصوصًا حين نبتعد عن كوكبنا بمسافاتٍ هائلة، وبالإضافة إلى القيمة العلمية البارزة لتلك الصور العميقة، والأفكار المهمة التي ألهمتنا إياها، فقد مثَّلت كذلك تحديًا تقنيًّا؛ إذ كانت تحتوي على أكثر من 10 آلاف مجرة، لتمثِّل بذلك أول تحديات «البيانات الضخمة» التي واجهها علماء الفلك على الإطلاق.

تلسكوب «هابل» الفضائي، مُصوَّرًا من مكوكٍ فضائي في المدار الأرضي المنخفض (أعلى الصورة)، ومعه رسمٌ توضيحي لتلسكوب «جيمس ويب» الفضائي (أسفل الصورة)، في موقعه في الفضاء السحيق على بُعد أكثر من 1.5 مليون كيلومتر من الأرض. Credit: NASA (top); ESA/ATG medialab (bottom)

ولا يقتصر التصوير العميق على النطاق المرئي من الأطياف الكهرومغناطيسية؛ ففي مطلع الألفية الجديدة، كان العالَم متأهبًا لاستقبال أول صورة عميقة عالية الطاقة، التقطها مرصد «تشاندرا» للأشعة السينية، وهي بعثةٌ ثوريةٌ أطلقتها وكالة ناسا في يوليو 1999، وما زالت نشطةً حتى اليوم، هذه الصورة هي صورة «جنوب تشاندرا العميق»، واستخدم المرصد لالتقاطها طريقة الدمج لمدة مليون ثانية تقريبًا، مُحدِّقًا خلالها عبر قطعةٍ من السماء في منطقة «فجوة لوكمان»، وهي فتحةٌ خاليةٌ من سُحُب الهيدروجين والغبار في مجرة درب التبانة، وكَشَفت تلك الصورة عن أقصى أقاصي الكون: مئاتٍ من الثقوب السوداء، يقع بعضها على مسافاتٍ هائلةٍ جدًّا، في صورةٍ ليست مذهلةً من الناحية البصرية كصور تلسكوب «هابل»، لكنَّها غنيةٌ بالمعلومات العلمية، وقد صوَّر مرصد «تشاندرا» هذه البقعة مجددًا، باستخدام زمن تعريض يبلغ حوالي سبعة ملايين ثانية إجمالًا، ما جعلها أعمق صورة بالأشعة السينية التُقِطَت على الإطلاق، وفي عام 2003، نُشِرَت صورة «شمال تشاندرا العميق»، مُتضمنةً بياناتٍ مُستمدةً من أكثر من 500 مصدر من مصادر الأشعة السينية.

وبتعزيز ترسانة تلسكوب «هابل» بكاميرا المسح المتطورة، صَدَرت «صورة هابل فائقة العمق» في عام 2006، تضمَّنت هذه اللقطة التاريخية آلاف المجرات، وتبيَّن لاحقًا أنَّ بعضها كان ساطعًا وعمر الكون لم يتعدَّ مليار سنة، وأظهرت تلك الصورة تاريخ تكوُّن المجرات بتفصيلٍ غير مسبوق؛ إذ بدت المجرات البعيدة بلا شك أصغر حجمًا وأقل انتظامًا في شكلها من المجرات الأقرب، لتقدم الصورة بذلك دليلًا قويًّا يدعم نظريات تطوُّر المجرات.

هذه الصورة هي تقريبًا أعمق صورة يمكن التقاطها في نطاق الأطوال الموجية المرئية، فإذا كانت المجرة على مسافةٍ بعيدةٍ للغاية، ينزاح ضوؤها المرئي إلى خارج نطاق الأطوال الموجية المرئية، ويدخل نطاق الأشعة تحت الحمراء، بسبب ظاهرة الانزياح الكوني نحو الأحمر، التي يُسفر فيها توسُّع الكون عن تمدُّد الأطوال الموجية للضوء المنتقل عبر مساحاتٍ شاسعةٍ من الفضاء الواقع بين المجرات، لذا كانت هناك حاجة إلى كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء لاستكشاف المناطق الأبعد مكانيًّا وزمانيًّا، وبإضافة الكاميرا التي تعمل بالأشعة القريبة من نطاق الأشعة تحت الحمراء إلى تلسكوب «هابل»، أمكن التقاط صورة تحت حمراء فائقة العمق في عام 2009، كشفت عن مجراتٍ كانت تسطع بعد 600 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم، وبعد تلك الصورة بعقدٍ من الزمان، في عام 2019، صدرت صورةٌ عميقةٌ التقطها تلسكوب «سبيتزر» الفضائي المعتمد على الأشعة تحت الحمراء والتابع لوكالة ناسا، وتُعَد هاتان الصورتان أرضًا خصبةً لرصد المجرات في بداية الكون.

وأخيرًا، هناك حملة تلسكوب «هابل» المعروفة باسم «المناطق الحدودية» Frontier Fields، والتي كانت تُعد المرحلة الأكثر تطورًا من التصوير العميق، ومهَّدت الطريق لأول صورةٍ عميقةٍ التقطها تلسكوب «جيمس ويب»، في تلك الحملة الرصدية، التي اكتملت عام 2017، وُجِّهَ تلسكوب «هابل» نحو ست مجموعاتٍ كثيفة كبيرة من المجرات، فوجود كثافةٍ كبيرةٍ من الكتلة على امتداد خط البصر، وفقًا لنظرية أينشتاين للنسبية العامة، يمكن أن يؤدي إلى انحناء الضوء الوارد من مصدرٍ في الخلفية، وتضخيم ذلك الضوء بالتبعية، من خلال تأثيرٍ يسمى «التعدُّس الجذبي»، لذا استُخدِمَت هذه العناقيد المجرية كعدسةٍ مكبرة، وذلك لإطالة مدى الرؤية، وصور المناطق الحدودية هذه لم تكن فقط ممتلئةً عن آخرها بالمجرات المحتشدة في العناقيد المجرية، بل كانت أيضًا مزينةً بأقواسٍ غريبةٍ من الضوء، تمثل صورًا متمددةً ومُضخَّمةً لمجراتٍ في الخلفية، تقع على مسافةٍ أبعد بكثير من العناقيد المجرية، وأشد خفوتًا على الأرجح من أن تُرصَد بالتصوير المباشر باستخدام تلسكوب «هابل»، وقد كشفت هذه اللقطات عن بعضٍ من أبعد المجرات، وتضمَّنت أيضًا أول صورةٍ لمستعرٍ أعظمٍ مُضخَّمة بتأثير «التعدُّس الجذبي».

مرَّ حوالي 200 عام منذ اختراع التصوير الفوتوغرافي، عندما استطاع البشر لأول مرة التقاط الفوتونات وتسجيلها مباشرةً لإنشاء الصور، واليوم، يتغير باستمرار ما نعرفه عن الكون بفضلِ الكاميرات شديدة التعقيد الموجودة على متن تلسكوبٍ فضائي يقع على بُعد مليون ميلٍ عنَّا؛ إذ تفتح لنا تلك الكاميرات نوافذ جديدة على المكان والزمان، وصحيحٌ أنَّ هذين الحدَثين يفصل بينهما وقتٌ قصيرٌ نسبيًّا، لكنَّهما مرتبطان بالهدف نفسه: تعميق فهمنا للطبيعة من خلال النظر إلى ما تعجز أعيننا عن رؤيته.

هذا مقال رأي وتحليل، والآراء الواردة فيه لا تُعبر بالضرورة عن آراء مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American.