لا شك أن الحاجة هي أم الاختراع، وقد كان عام 2020 مثالًا حيًّا على ذلك؛ ففي ذلك العام، وجد العالم نفسه مضطرًّا أكثر من أي وقت مضى إلى العثور على حلول إبداعية لمواجهة فيض من التحديات التي ظهرت في مجالات كان المجال الطبي الأبرز من بينها؛ فبدءًا من اكتشاف الأدوية ومرورًا بتصنيع اللقاحات ووصولًا إلى تقديم الرعاية الصحية، كانت جائحة "كوفيد-19" محفزًا للأطباء والباحثين ورجال الأعمال وواضعي السياسات على إعادة النظر بشكل جذري في جميع جوانب نظام الرعاية الصحية.

ورغم أن مرض "كوفيد-19" هو بالأساس مرض جسدي، إلا أنه قد أثقل كاهل أنظمة الصحة النفسية المنهَكة بالفعل في جميع أنحاء العالم، قبل الجائحة، كانت اعتلالات الصحة النفسية ضمن أهم مسببات الإعاقة على مستوى العالم، وتصاعدت معدلات تشخيص الإصابة بالأمراض النفسية عبر جميع الفئات العمرية لسنوات دون توقف، ما كلَّف الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنويًّا، وقد كان تأثير ذلك مدمرًا بالنسبة لفئة صغار السن على وجه الخصوص؛ إذ يحتل الانتحار اليوم المرتبة الثانية بعد حوادث السيارات بين مسببات الوفيات في أوساط المراهقين، ومنذ بداية عام 2020، ازداد الوضع تدهورًا؛ فقد شهدت الولايات المتحدة ارتفاعًا كبيرًا في عدد البالغين الذين أبلغوا عن إصابتهم بأعراض القلق والاكتئاب، ومن المُرجَّح أن ينعكس ذلك بالسلب على الأطفال لسنوات قادمة.

ورغم ذلك، فإن هناك ما يدعو إلى التفاؤل المشوب بالحذر؛ فعندما أجبرتنا جائحة "كوفيد-19" على التصدي لهذه المشكلة المتفاقمة، كان المفكرون المبتكرون على قدر التحدي، وقدّمت مجالاتٌ بعيدةٌ كل البعد عن مجال الصحة النفسية حلولًا لمشكلة بدت ذات يوم مستعصية، ومن هنا، بدأ العمل على تصميم أنظمة هدفها التأكد من أن الناس لا يحظون بالسلامة الجسدية فحسب، بل يتمتعون بصحة نفسية جيدة أيضًا.

والآن، لدينا أنظمة تستفيد من تقنيات تُحاكي تقنيات مُستخدَمة في عالم الأموال لتتنبأ بمشكلات الصحة النفسية، كما يُستعان بالهواتف الذكية في إنشاء نماذج رقمية تحاكي تطور الأمراض، ومن ثَمَّ تكتشف مشكلات الصحة النفسية وتتابعها، وثمة مبادرات كبرى قد بدأت بالفعل في مجال رسم خرائط للدماغ واكتشاف أهداف علاجية جديدة، وحتى عقاقير الهلوسة، التي لاقت انتقادات شديدة في الماضي، يُعاد تقييمها اليوم من منظور جديد فيما يخص استخدامها في مجالات كثيرة، مثل علاج اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب وقلق نهاية الحياة، وعلاوةً على ذلك، تُبدي أوساط رأس المال الاستثماري حاليًّا اهتمامًا هائلًا بمجال الصحة النفسية؛ إذ ضخ المُموِّلون أكثر من 2.4 مليار دولار في صالح تطوير أدوات رقمية للأطباء والمرضى في العام الماضي وحده.

ومع وضع كل هذا في الاعتبار، شَرَع مجلس مستقبل الصحة النفسية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي -الذي يضم مجموعة متنوعة من الخبراء في مجالات الطب النفسي وعلم الأعصاب وعلم النفس والصحة العامة والتكنولوجيا والمعلوماتية والأعمال والسياسة العامة والمناصرة- في تسليط الضوء على التطورات الأكثر ابتكارًا والقادرة على إحداث تغيير جذري في مجال الصحة النفسية، وقد فحص المجلس ما يزيد على 60 ابتكارًا لاختيار الأفضل من بينها وفقًا لمعايير تتعلق بتقييم جودة الحلول التي يقدمها كل ابتكار من حيث مدى حداثتها، وقدرتها على سد الفجوات الحالية في تيسير سبُل الوصول إلى الرعاية الصحية النفسية وتقديمها، وإسهامها في تحسين الممارسات اليومية في ذلك المجال، وحجم الدور الذي قد تؤديه تلك الحلول في إحراز تقدم على المدى القريب على مستوى المجتمع وفي تعزيز الحياة النفسية لأفراده.

إننا نأمل من أعماق قلوبنا أن تكون قائمتنا تلك محركًا للمسيرة نحو بناء عالم أفضل لكل مَن يعاني من أمراض الصحة النفسية، ولكننا نعي أيضًا حقيقة أن هناك احتمالًا -ولو بسيطًا- ألّا نصل إلى ذلك المستقبل الذي تؤخذ فيه مسألة الصحة النفسية على محمل الجد وتنمحي الوصمة الاجتماعية المرتبطة بها، إن المجتمعات كافة لا يزال أمامها فرصة للنهوض بهذه الجهود من خلال البحث والتوعية، ولا يسعنا هنا سوى أن نستعير كلمات دوجلاس آدامز، مؤلف كتاب "دليل المسافر إلى المجرة" The Hitchhiker's Guide to the Galaxy، التي سطَّرَها في صحيفة الإندبندنت، قائلًا: "إن محاولة التنبؤ بالمستقبل نشاطٌ لا طائل منه، لكنها لعبة يجب أن ننخرط فيها جميعًا؛ لأن العالم يتغير بسرعة كبيرة، ونحن بحاجة إلى أن يكون لدينا فكرة ما عما سيكون عليه المستقبل؛ لأننا سنضطر إلى العيش فيه، ربما الأسبوع المقبل".

هذه مقالة رأي وتحليل، والآراء التي عبر عنها المؤلف أو المؤلفون لا تمثل بالضرورة آراء ساينتفك أمريكان