تُمثِّل التحديات التي يواجهها الفرد من جَرَّاء اعتلال صحته النفسية السببَ الرئيس للعجز حول العالم، وفي ظل تفشِّي جائحة كورونا، أصبحت نُظُم الصحة النفسية التي تعاني أصلًا من نقصٍ في الموارد تواجه ضغوطًا شديدةً لمواكبة الجائحة، غير أن ثمة عقباتٍ ثلاثًا رئيسة تحد من إمكانية الحصول على الرعاية، وهي قلة أعداد مقدمي الرعاية المُتخصِّصة، ووصمة العار التي تُحيط بمشكلات الصحة النفسية، وانعدام الثقة بالمؤسسات.

والسيناريو ليس سوداويًّا على جميع الأصعدة؛ فقد أبدى كلا القطاعين العام والخاص استعدادًا لتشجيع التغيير، كما تُبشر البرامج الابتكارية بتحسُّن فرص الحصول على الرعاية بكفاءةٍ، سواء كانت الموارد المالية للمجتمع المحلي كبيرة أو محدودة؛ فهذه البرامج تجمع بين أحدث ما توصل إليه العلم، والتوصيل الرقمي للمعلومات والخدمات، والجهود التعاونية بين الأشخاص الذين يواجهون تحدياتٍ تتعلق بصحتهم النفسية والمُتخصِّصين والمجتمع بأسره.

وقد شهدت خيارات الرعاية الصحية الرقمية من خلال العلاج عن بُعد وعبر جميع أنواع التطبيقات الجديدة نموًّا هائلًا خلال الجائحة؛ فالخدمات عبر شبكة الإنترنت تصل إلى أبعد المناطق وتتغلب على مخاوف الشعور بوصمة العار من جَرَّاء اتخاذ القرار بالتماس العلاج، كما يمكنها أيضًا توسيع نطاق الخدمات الصحية والاجتماعية على نحوٍ فعال، غير أنه ليس بمقدورها التغلب على قلة أعداد المعالجين المُتخصِّصين؛ فنُدرة مقدمي الخدمات العلاجية المُتخصِّصة الذين يتولون تنسيق الرعاية تعني أنه حتى العلاج عن بُعد القائم على استخدام التطبيقات يواجه تحدياتٍ في الوصول إلى الأشخاص الذين يحتاجون إليه.

أحد حلول مواجهة تلك التحديات يتمثَّل في تعزيز الدعم المجتمعي والدعم المُقدم من الأقران لرفع مستوى فاعلية رعاية الصحة النفسية، وتوسيع نطاقها سواءٌ بتقديم الخدمات العلاجية المباشرة أو عبر شبكة الإنترنت، ويمد الأشخاص المصابون باعتلالاتٍ نفسية يد العون للآخرين عبر ما يُطلق عليه دعم الأقران؛ كي يُظهروا لهم أنهم ليسوا بمفردهم فيما يعانونه من مشكلاتٍ تتعلق بصحتهم النفسية، وهو ما يُعد تطورًا كبيرًا في المجال؛ فالأشخاص الذين يعانون من مشكلاتٍ صحية نفسية يساعدون في التعافي من خلال بناء الثقة مع أقرانهم الذين يواجهون تجارب مماثلة، وتتولى فرق الرعاية المؤلَّفة من الأقران نقاشاتٍ جماعيةٍ، وتؤدي دور المرشد أو المُدرب للآخرين الذين يواجهون تحديات نفسية، كما أن لتوفير الدعم والتدريب للعاملين في مجال الصحة المجتمعية أهميته؛ فالعاملون في مجال الصحة المجتمعية هم أفرادٌ عاديون في المجتمع تُسنَد إليهم مهمة تقديم الرعاية الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات الوقاية وتعزيز الصحة وإعادة التأهيل، مما يعمل على توسيع نطاق تقديم الرعاية ليشمل المزيد من الأشخاص الذين هم بحاجة إليه في جميع أنحاء العالم، وقد بدأت الأبحاث تُظهر فاعلية هذه النُّهج حتى عند نقلها إلى حيز التنفيذ عبر شبكة الإنترنت.

ابتكر القطاعان العام والخاص في العديد من البلدان برامج تجمع بين تلك النُّهج، وغالبًا ما يُشارك أقرانٌ من المجتمع في التصميم وتقديم المشورة لخدمات الصحة النفسية ودعمها عبر شبكة الإنترنت، ومن أمثلة تلك الخدمات «توجزرول» Togetherall و«ريتش أوت» ReachOut و«سفن كبس» 7 Cups و«يو سي إل إيه ستاند» UCLA STAND، وهذه الخدمات أصبحت مصادر موثوقة للمساعدة والإحالة بالنسبة للشباب وأسرهم وغيرهم ممن هم في محنة ويتعاملون مع اعتلالات تتعلق بصحتهم النفسية، ويُعد برنامج «إن واي ويل» NYWell الذي أطلقته مجموعة «سترونج 365» Strong 365، إحدى ثمار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو مشروعٌ رقمي تجريبي يهدف إلى مساعدة الشباب الذين لا يزالون في المراحل الأولى من الاعتلالات الصحية النفسية الخطيرة، ومحرك بحث «إن واي ويل» وإعلانات البرنامج عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتصلان -عن طريق رابطٍ- بموقعٍ إلكتروني يقدم صورًا شتى من المساعدة بدءًا من التثقيف الذاتي ودعم الأقران عبر شبكة الإنترنت ووصولًا إلى العناية المُتخصِّصة المكثفة، وقد اجتذب الموقع الآلاف من الزائرين منذ إطلاقه في ولاية نيويورك في نوفمبر 2020، يُجري نحو نصف زائري الموقع اختبارًا ذاتيًّا لفحص صحتهم النفسية، ويتواصل زائرٌ من كل 10 زائرين عبر شبكة الإنترنت مع أحد الأقران أو أحد المعالجين، ويُحال زائرٌ من كل 5 من هؤلاء إلى الرعاية داخل المجتمع المحلي، يشهد البرنامج توسعًا، وقد بدأت تجربةٌ منضبطةٌ مُعشاةٌ لقياس فاعليته، وتشير النتائج الأولى إلى أن الشباب الذين يعانون اعتلالاتٍ نفسيةً خطيرةً على استعداد للانخراط فيما يُسمى بالرعاية المتدرجة والمقدَّمة عبر شبكة الإنترنت، وهذه الرعاية تتراوح بين تفاعلاتٍ مع الأقران وجلساتٍ مع معالجين متخصِّصين.

ستتطلب مواصلة التقدم تعاونًا بين الأشخاص الذين يعانون اعتلالاتٍ نفسية، والعاملين المجتمعيين، والمُتخصِّصين في مجالي الصحة النفسية والتكنولوجيا، وقادة القطاعين العام والخاص، وغيرهم، إلا أن تلك البرامج تُبشر بتحقيق طفرة في مجال تقديم الرعاية للناس أينما وُجدوا.