"يعرفُ الناسُ العنصرَ المائع بأنه لم يصل إلى حد التيبُّس بعد، ولكنه يظل عُرضةً لتأثير العوامل الخارجية". من كتاب "الفوضى الحسَّاسة: صُنع أشكالٍ متدفقة في الماء والهواء" The Creation of Flowing Forms in Water and Air بقلم: ثيودور شِفينك، مطابع رودولف شتاينر، 1965.

يُعرَف الكاتشب بصعوبة إخراجه من الزجاجة، حتى عندما تكون الكميةُ المُتبقية منه بداخلها كبيرةً، وفي واقع الأمر، تترك جميعُ الأطعمةُ السائلة -بدءًا من النبيذ الأحمر ووصولًا إلى زيت الطهي- بعض البقايا في الإناء الذي تُوضع فيها، ويرجع السببُ في ذلك إلى قابلية ترطُّب الإناء ولزوجة المادة الموجودة فيه، وغالبًا ما تكون بقايا تلك المادة مجرد طبقة رقيقة، باستثناء الكاتشب الذي يكون عبارةً عن طبقاتٍ سميكة تلتصقُ بالزجاجة من الداخل، وإذا كانت الزجاجة لا تزال ممتلئةً عن آخرها تقريبًا، فإن مجرد إمالتها أو حتى قلبها رأسًا على عقب لن يُخرِج سوى القليل من الكاتشب عبر عنق الزجاجة، لكن بمجرد أن يُوضع الكاتشبُ على الطبق، فإنه ينتشر ويتمدد بسهولة.

ولإسالة الصوص، أنت بحاجةٍ إلى أن تَرُج الزجاجة بقوةٍ أو تدق عليها بيدك، وإذا لم تتوخَّ الحذر، ستسقط على طعامك كميةٌ أكبر كثيرًا من تلك التي أردتَ إضافتها، وكما يعرفُ مستخدمو الكاتشب ذوو الخبرة، لا داعي للتعجُّل بنزول الكاتشب بعد رَجِّ الزجاجة؛ لأن التأثير يستغرق مقدارًا معينًا من الوقت، يمكنك إذًا الانتظار، وفتح غطاء الزجاجة، وتوجيه فوهتها نحو الطعام.

هذه الخاصية المزعجة التي يمتاز بها الكاتشبُ تطرح بالضرورة سؤالًا حول أسباب عجز صانعي الطعام عن حل هذه المشكلة؟ والإجابةُ البسيطة أن الكاتشب صُمِّم عمدًا على هذا النحو، لا بغرض إزعاج الناس بل لأن هناك مواقف تتطلب اتسامه بهذه الخاصية، فمثلًا، يجب وضعُ كميةٍ صغيرةٍ من الكاتشب على النقانق (الهوت دوج)؛ حتى لا ينتهي الأمر بانسكابه على ملابسك، حتى عندما تدسُّه في فمك، ولكن يجب ألا يكون قوامُ الكاتشب لزجًا كذلك؛ فمع كل قضمة، يجب أن يذوب الصوص في فمك دون أن تحتاج إلى مضغه من أجل الاستمتاع بمذاقه.

وبلغة الفيزياء، يتعرض الكاتشبُ للإجهاد برجِّه أو نشره على الطعام أو أكله؛ فالجزءُ السفلي من الكتلة، والذي يكون لزجًا في حالة السكون، يستقر على قاعدةٍ صلبة ويبقى مكانه بفعل الالتصاق أو غيره من القوى الفيزيائية، أما الطبقات العليا فتستقر في اتجاهٍ موازٍ، وفي حالة الموائع النيوتونية، فإن اللزوجة لا تعتمد على الضغط المبذول على المائع لكل وحدة مساحة، أما في حالة الموائع غير النيوتونية مثل الكاتشب فإن الوضع يختلف؛ إذ كلما زادت القوة قلت اللزوجة.

يُعرَف هذا السلوك بترقُّق القص، وتُسبِّبه البوليمرات التي تُضاف إلى الصوص (وهو خليطٌ من معجون الطماطم والسكر ومكوناتٍ أخرى) على هيئة مادةٍ مُكثِّفةٍ للقوام، والبوليمرات هي جزيئات مجهرية مُعقدة تتكون من سلاسل طويلة من الذرات التي تصبح متشابكةً وتُطلِق الطاقة في محيطها، في هذه الحالة، يكون البوليمر لزجًا ولينًا، ومع ذلك، فإن استخدام قوة قصٍّ كبيرة بما فيه الكفاية يُوفِّر الطاقة اللازمة لنشر جزيئات البوليمرات واصطفافها طوليًّا، وهكذا تنزلقُ السلاسلُ بسهولةٍ فيما بينها، وتكون النتيجة، على المستوى العياني، انخفاضَ مستوى اللزوجة.

فور انحسار قوة القص، تُتاح للكاتشب فرصة الاستقرار، وتتشابك جزيئاتُ البوليمرات من جديدٍ وتُطلق الطاقة، وتستغرق هذه العملية بعض الوقت، وهذا يُفسِّر سبب أن الصوص لا يستعيد كثافته فورًا بعد تعرُّضه للاهتزاز وللقص.

وفي حياتنا اليومية، نرى أمثلةً أخرى على مواد تُرقِّق القص مثل الشامبو؛ إذ تنسابُ كميةٌ قليلةٌ منه ببطءٍ شديد في راحة يدك، ما يمنحك وقتًا لتضعه على رأسك وتفرك شعرك به، وتكاد المقاومةُ تنعدم لأن قوة قص رغوة الشامبو تعمل على ترقيق المائع، ورغم التشابه بين الشامبو والكاتشب، ثمة اختلافٌ بينهما تجدر الإشارة إليه؛ فالشامبو ينسابُ بحُرية بسبب وزنه، في حين أن هذا لا يحدث مع الكاتشب في أغلب الأحيان، فنجد أن الكاتشب يبقى مستقرًّا في مكانه عند وضعه على النقانق في صورة خطٍّ مُتعرج، ومن الأمثلة الأخرى للموائع غير النيوتونية التي تمكث في مكانها عند استخدامها دهاناتُ الجدران ومعاجينُ الأسنان.

وإذا كانت لزوجةُ بعض الموائع تتناقص كرد فعلٍ لإجهاد القص، فهل هناك موائعُ أخرى تزداد لزوجتها؟ في الواقع، يوجد في المطبخ مثالٌ شائعٌ على المواد التي تُحدِث تثخينًا للقص، وهو نشا الذرة المخلوط بالماء لصنع معجون منها، فالخليطُ يكون سهلَ التقليب نسبيًّا عند تقليبه بسرعةٍ متوسطة، لكن عندما تزيد السرعةُ، فإن لزوجة الخليط تزدادُ حتى يصبح غليظَ القوام إلى حدٍّ يجعل من الصعب تحريكَ ملعقة التقليب فيه.

سلوكُ خليط النشا والماء هذا أشبهُ بسلوك الرمال المتحركة، فإذا ما تعرَّضت حُبيباتُ الرمال لقوةٍ بسيطة، تنزلق فيما بينها لأنها أصبحت زلقةً بفعل ما امتزج بها من ماء، ويعمل الضغطُ المفاجئ على إزاحة الماء من الفراغات، ويدفع المكوناتِ الصلبةَ بعضها نحو بعض، مما يزيد المقاومةَ زيادةً كبيرة، وكما هي الحال مع الرمال المتحركة، تعمل طبقةٌ من الماء على فصل ذرات النشا، وعندما تدفعُ قوى شديدةٌ هذه الجزيئات للاتصال بعضها ببعض، يلتحمُ الخليط.

وقد توصَّل مُصنعو الأغذية إلى طريقةٍ مختلفة للتعامل مع هذه الخاصية المزعجة للكاتشب؛ إذ أصبح متاحًا الآن في زجاجات بلاستيكية مرنة، فبمجرد ضغطةٍ خفيفة على الزجاجة، تتغلبُ على مقاومة الصوص، من المؤكد أن هذا الحل يُسهِّل التعامل مع الكاتشب، ولكنه يُفقِدنا متعة إخراج الصوص من الزجاجة، وما يصاحبه من إحساس بالنصر عند خروج الكاتشب دون تلويث ملابسنا.

نُشر هذا المقال لأول مرة في مجلة "سبكترَم دِر فيسنشافت" Spektrum der Wissenschaft وأُعيد نشره بعد موافقة المجلة.