بعد أكثر من 15 شهرًا من الهبوط في فوهة «جيزيرو» على كوكب المريخ، بدأت مركبة «بيرسيفيرانس» Perseverance الجوالة التابعة لوكالة ناسا في بحثها المحموم عن أشكال الحياة القديمة على الكوكب.

ففي الثامن والعشرين من مايو، كشطت المركبة رقعةً دائريةً عرضها 5 سنتيمترات من صخرةٍ تقع في قاع منطقةٍ بتلك الفوهة، كانت عبارةً عن دلتا نهر في الماضي، تكوَّنت هذه الدلتا قبل مليارات السنين، عندما رسَّب نهرٌ زائلٌ منذ وقتٍ طويل طبقاتٍ من الرواسب في الفوهة، وهذه الدلتا هي السبب الرئيسي الذي جعل وكالة ناسا تُرسل المركبة إلى هذه المنطقة؛ فعلى كوكب الأرض، عادةً ما تزخر رواسب الأنهار بأشكال الحياة.

تُظهِر صور الرقعة المكشوطة حديثًا حبيباتٍ رسوبيةً صغيرة، يؤمِّل العلماء أن تحتوي على آثارٍ للحياة، سواءٌ كانت آثارًا كيميائيةً أو من نوعٍ آخر، وعن ذلك قال سانجيف جوبتا، عالِم جيولوجيا الكواكب بجامعة إمبريال كولدج لندن، في تغريدةٍ على تويتر إنَّ هذا يذكِّره بعبارة الشاعر ويليام بليك: "أن ترى العالم في حبة رمل".

ستقضي المركبة الأشهر القادمة في استكشاف دلتا فوهة «جيزيرو»، بينما يقرر علماء المهمة موقع الحفر واستخراج عينات الصخور، وتخطط كلٌّ من وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA) لجلب هذه العينات إلى الأرض لدراستها بعد عام 2033، لتصبح أول عيناتٍ تعود إلى الأرض من كوكب المريخ.

"إلى البوفيه"

هبطت «بيرسيفيرانس» في فبراير 2021، على بُعد بضعة كيلومترات من طرف الدلتا، وقضت العديد من أشهرها الأولى في استكشاف أرضية الفوهة، التي اتضح على غير المتوقع أنَّها مكونة من صخورٍ نارية، وهي نوعٌ من الصخور يتكون عندما تبرد المواد المنصهرة، كان هذا كشفًا علميًّا ضخمًا ومفاجئًا؛ لأنَّ العلماء يمكنهم تحديد عمر الصخور النارية بناءً على الاضمحلال الإشعاعي لعناصرها الكيميائية، لكنَّ العديد من الباحثين كانوا يتوقون لوصول المركبة إلى الدلتا، التي تُعد رواسبها دقيقة الحبيبات أكثر مكانٍ من الممكن أن يحتوي على آثارٍ للحياة على المريخ.

وصلت المركبة أخيرًا إلى قاع الدلتا في أبريل، وسرعان ما رصدت صخورًا رماديةً رفيعة الطبقات تُسمى الحجر الطيني، وهي صخور ربما تكونت من رواسب رسَّبها نهرٌ بطيء الجريان أو بحيرة، ووجدت المركبة أيضًا أحجارًا رمليةً خشنة الحبيبات، وهذه ربما تكونت بفعل نهرٍ سريع الجريان، وتُعد أنواع الصخور هذه عيناتٍ ممتازةً لدراسة مجموعةٍ متنوعة من البيئات المريخية التي ربما تكون قد نشأت فيها الحياة على الكوكب، وفق ما أوضحت كايتي ستاك مورجان، العالِمة المساعدة بمشروع «بيرسيفيرانس» في مختبر الدفع النفاث (JPL) بمدينة باسادينا في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، في تصريحٍ صدر عنها يوم السابع عشر من مايو، ضمن الجزء المذاع عبر الإنترنت من مؤتمر علم البيولوجيا الفلكية لعام 2022.

وبعد عثور المركبة على تلك الصخور، قادها مهندسو البعثة بعيدًا عن هذه المنطقة، المُسمَّاة «البحيرة المسحورة» Enchanted Lake، ووجَّهوها نحو منطقةٍ أخرى تسمى فجوة «هوكسبيل»، حيث تمارس المركبة عملها حاليًّا، وبالنسبة لرقعة الصخر التي كشطتها المركبة مؤخرًا، فقد كشطتها من حجرٍ رملي في طبقةٍ من أدنى الطبقات الصخرية في الدلتا، وهذا يعني أنَّها من أقدم الصخور التي كوَّنها نهر فوهة «جيزيرو» القديم، لذا فهي مكانٌ ممتاز للبحث عن آثار الحياة القديمة.

ترتفع الدلتا نحو 40 مترًا عن أرضية الفوهة، ويخطط سائقو المركبة لإرسالها صعودًا إلى الجهة الأمامية للدلتا، ثم إنزالها مرةً أخرى، ليدرسوا أماكن العينات وطريقة جمعها، وتقول جينيفر تروسبر، مديرة المشروعات في البعثة بمختبر الدفع النفاث: "هذا أشبه بالذهاب إلى البوفيه قبل ملء طبقك"، ففي طريق الصعود، ستستكشف المركبة الصخور، وستكشط المزيد من الرقع لرؤية الصخور من الداخل، وفي طريق النزول، ستحفر المركبة وتجمع عيناتٍ من الصخور الأكثر إثارةً للاهتمام.

ومثل طفلٍ يجمع الأحجار الكريمة ليضمها إلى مجموعته القيِّمة، يتشاور علماء البعثة حول الصخور التي ينبغي جمع عيناتٍ منها، لتشكيل مجموعةٍ من الصخور تتسم بأعلى درجةٍ من التنوع الجيولوجي، وفي هذا الصدد، تحمل المركبة 43 أنبوبًا لوضع العينات فيها، كل أنبوبٍ منها أكبر في سُمكه بقليل من القلم الرصاص، وتخطط وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية لجلب 30 أنبوبًا مليئًا بالعينات إلى كوكبنا.

وقد بدأ علماء البعثة بالفعل في دراسة المواقع المحتملة لترك المجموعة الأولى من العينات، كي تنقلها مركبةٌ فضائيةٌ في المستقبل إلى الأرض، فما إن ترجع المركبة في طريق النزول، حتى تترك بعض الأنابيب في قاع الدلتا، في منطقةٍ واسعةٍ مسطحة بين «البحيرة المسحورة» و«فجوة هوكسبيل»، وعن هذا يقول كينيث فارلي، العالِم المشارك في مشروع البعثة، والذي يتخصص في الكيمياء الجيولوجية بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في مدينة باسادينا: "هناك احتمالٌ قوي أن نترك المجموعة الأولى من العينات" عندما تصل المركبة إلى هناك، وحينها "سيصير الأمر واقعًا وليس مجرد خيال".

لم يتوقع مخططو البعثة أن تأتي خطوة ترك العينات بهذه السرعة، لكنَّ الموقع ممتاز؛ فهو مسطح، وفيه عددٌ قليل من الصخور التي يمكن أن تعرقل هبوط المركبة الفضائية التي ستعود بالعينات في المستقبل إلى الأرض، وتقول تروسبر عن الموقع: "إنَّه مكانٌ رائعٌ للهبوط على المريخ".

كما تخطط ناسا لتنظيم تجمعٍ لعلماء الكواكب في سبتمبر، لتقييم ما إذا كانت العينات التي جمعتها حتى الآن "ذات قيمةٍ علمية" كبيرة بما يكفي لإرسال مركبةٍ لجلبها إلى الأرض، وهذا سؤالٌ مهم؛ لأن جلب الأنابيب سيتطلب الكثير من الوقت والمال، لذا ترغب ناسا في أن يُقيِّم المجتمع العلمي وجهة نظر فريق البعثة، التي عبَّر عنها فارلي بقوله: "في اعتقادنا، لقد جمعنا أكثر العينات قيمةً من بين العينات المتوافرة في ذلك الموقع".

مهمة مثمرة

تعمل كلٌّ من وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية على إعداد خطةٍ كلفتها 5 مليارات دولار أمريكي لإرسال مركبتي هبوط إلى المريخ، تحملان مركبةً جوالة لالتقاط العينات، وصاروخًا ليرسلها إلى مدار المريخ، بالإضافة إلى مركبةٍ لتلتقطها من المدار وتجلبها إلى الأرض، وكان من المقرر أن تُنفَّذ عمليات الإطلاق الأولى في 2026، لكنَّ المخطط الزمني تغيَّر بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، فقد أوقفت وكالة الفضاء الأوروبية كل تعاونها مع وكالة الفضاء الروسية بسبب الحرب، وعرقلت التوترات أيضًا خطةً لإطلاق مركبةٍ جوالة روسية أوروبية إلى المريخ، والآن تعيد وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية وضع خططهما للهبوط على الكوكب الأحمر، ولديهما الكثير من الوقت؛ فأنابيب العينات المتوافرة في مركبة «بيرسيفيرانس» مصممة لتصمد عقودًا في ظروف الكوكب.

وإلى جانب جمع عينات الصخور، خرجت «بيرسيفيرانس» باكتشافاتٍ أخرى في فوهة «جيزيرو»، من بينها أنَّ الزوابع الغبارية تقذف كمياتٍ كبيرة من الغبار في الهواء، وأنَّ سرعة الصوت تتغيَّر في الغلاف الجوي الغني بثاني أكسيد الكربون في المريخ، وقد قطعت المركبة حتى الآن أكثر من 11 كيلومترًا، وسجلت رقمًا قياسيًّا جديدًا للحركة خارج الكرة الأرضية، عندما قطعت 5 كيلومترات في 30 يومًا مريخيًّا، خلال شهري مارس وأبريل.

والمركبة لم تكن لتحقق بعض هذه الإنجازات لولا الدور الرئيسي الذي أدته المروحية الصغيرة «إنجينيويتي» Ingenuity، لكنَّ عمر هذه المروحية على المريخ ربما شارف على الانتهاء؛ فقد صُمِّمَت بالأساس للتحليق 5 رحلاتٍ فقط، لكنَّها تجاوزت التوقعات وحلَّقت 28 رحلة، ومن موقعها المميز في السماء، ساعدت المروحية في استكشاف أفضل الطرق التي يمكن للمركبة أن تسلكها، ومسحت المنطقة المسطحة في قاع الدلتا، التي يمكن للمهمات المستقبلية أن تهبط فيها.

لكن في أوائل مايو، فقدت «إنجينيويتي» اتصالها بالمركبة، عندما حجب الغبار في الهواء الجوي ضوءَ الشمس الذي تحتاج إليه المروحية لشحن ألواحها الشمسية وبطاريتها، وهي تواجه الآن سماءً محملة بالأتربة، وستتعرض لدرجات حرارة منخفضة مع حلول الشتاء المريخي، وقد تجد في نهاية المطاف صعوبةً في التحليق.

ويقول فارلي عن ذلك: "مهما حدث، لقد نجحت إنجينويتي".