ربما يتمكن العمال ذات يوم من وضع جهاز في حجم ماكينة الحلاقة الكهربائية على أعناقهم، بدلًا من تناول كوب من القهوة، في أثناء نوبات العمل الليلية التي تمتد حتى الصباح، وبعد بضع دقائق، سيخرج المرء من تلك التجربة وقد شحذ طاقته من جديد وصار أكثر يقظة، لذا من الممكن أن يُطلَق على هذه العملية اسم "استراحة العصب الحائر".

يطلق الجهاز -الذي يسمى "جاماكور" gammaCore- سلسلةً من النبضات الاهتزازية ذات الجهد الكهربائي المنخفض، يستمر كلٌّ منها لمدة مللي ثانية واحد، إلى جانب العنق، تهدف هذه العملية إلى تحفيز جزء من العصب الحائر المعروف أيضًا بالعصب المبهم، وهو عصبٌ يصل بين الدماغ والجسم، وتؤدي إلى إطلاق كيماويات تساعد على اليقظة والانتباه.

بدأت البحوث الخاصة بإيجاد طريقة لمساعدة الأشخاص على الاحتفاظ بيقظتهم وانتباههم باستخدام التيار الكهربائي بعد أن لاحظ العلماء العاملون في القوات الجوية الأمريكية والمتعاقدون معها -في دراسة أجروها- أن الأشخاص المشاركين في الدراسة الذين خضعوا لعملية تثبيت أقطاب كهربية (إلكترودات) في فروة رأسهم بهدف توصيل تيار كهربائي استطاعوا خفض شعورهم بالإرهاق وتحسين أدائهم في المهمات التي تتطلب انتباهًا، بطبيعة الحال ليس من اليسير استنساخ مثل هذا المشهد خارج المختبر على أرض الواقع، ولكن لو كان ذلك ممكن الحدوث، فلربما أتاح بديلًا للمنبهات القائمة على الكافيين أو الأمفيتامين، اللذَين يُعرفان باسم "حبوب الانتباه"، وهي حبوب ما زال الأطباء يصفونها لجنود القوات الجوية الأمريكية.

البحث عن حلٍّ أكثر مباشرةً وخالٍ من الآثار الجانبية دفع الباحثين إلى التفكير في العصب الحائر، تُستخدَم غرسات جراحية تحفز هذا العصب في منع نوبات التشنُّج لدى المصابين بالصرع منذ عام 1988، ووجد بعض هؤلاء المرضى أن الغرسات قد ساعدتهم في التغلُّب على نوبات الصداع والألم، كذلك لاحظت دراسات أخرى أن تحفيز العصب الحائر باستخدام الغرسات قد أسهَم في تحسين الذاكرة والإدراك لدى الحيوانات والبشر على حدٍّ سواء.

يقدم بحث جديد تأكيدًا لفكرة أن تحفيز العصب الحائر باستخدام جهاز محمول في اليد يحقق الهدف الذي توقعه العلماء؛ فقد ساعد جهاز "جاماكور" أفراد القوات الجوية على تحسين أدائهم وتقليل شعورهم بالإرهاق في أثناء عملهم في نوبات ليلية، نُشرت نتائج الدراسة المذكورة في العاشر من يونيو الماضي، في دورية "كوميونيكيشنز بيولوجي" Communications Biology.

A gammaCore device.
جهاز "جاماكور". Credit: electroCore

يقول بيتر ستاتس، المسؤول الطبي والمؤسس المشارك لشركة "إلكتروكور" electroCore، المصنعة لجهاز "جاماكور": إنه قبل عقد من الزمن، عندما لم تكن هذه التكنولوجيا قد اختُرعت بعد، كان الكثيرون يعتقدون أن تحفيز العصب المبهم من دون إبر أو جراحة أمرٌ مستحيل، يعمل الجهاز المحمول يدويًّا على توصيل التيار الكهربي إلى العنق من خلال تلامسه بجِلٍّ موصلٍ للكهرباء يوضع على سطح الجلد، وكان الجهاز قد حصل على الموافقة على استخدامه لأول مرة في علاج حالات الصداع العنقودي لدى البالغين في عام 2017، منذ ذلك الحين اتسع نطاق استخدام الجهاز ليشمل علاج حالات الصداع النصفي لدى البالغين والمراهقين، كما حصل على تصريح بالاستخدام الطارئ لعلاج حالات الربو التي تتفاقم من جَراء الإصابة بكوفيد-19 لدى الراشدين، يتولى عديد من كُبريات شركات إدارة المنافع الصيدلانية تكلفة تأمين الجهاز، عند وصفه طبيًّا؛ إذ يبلغ سعره الأساسي 1750 دولارًا أمريكيًّا، رغم أن الشركة المصنِّعة تقول إنها تعرض الجهاز لكل عملائها حاليًّا بسعر 1250 دولارًا. (ذكر متحدث باسم شركة "إلكتروكور" أن أحدث طراز من الجهاز يباع بسعر مُخفَّض يصل إلى 399 دولارًا ويصلح للعلاج لمدة ثلاثة أشهر).

يُعد تحفيز العصب المبهم هدفًا شائعًا ومشهورًا في مجال الطب الحيوي الإلكتروني، بسبب الروابط المباشرة بين ذلك العصب وكثيرٍ من أعضاء الجسم، ستيفن سيلبرشتاين -الذي يعمل أستاذًا لعلم الأعصاب بجامعة توماس جيفرسون ومديرًا لمركز جيفرسون للصداع- يُشَبِّه العصب الحائر بمحاور النقل الرئيسية، مثل محطة جراند سنترال المركزية الكبرى في مدينة نيويورك؛ حيث يمكن للمسافر أن يركب أي قطار أو مترو أنفاق للوصول إلى أي مكان في نيويورك وضواحيها، بالمثل، تمتد أنواعٌ مختلفة من الألياف العصبية المكونة للعصب الحائر إلى أماكن مختلفة من الجسم، من بينها منطقة في الدماغ تُسمَّى الموضع الأزرق locus coeruleus، وهي المنطقة المسؤولة عن إنتاج الـ"نُورأدرينالين" norepinephrine، وهي مادة كيميائية مسؤولة عن استجابة الكر والفر تزيد معدل الانتباه وتقلل من الشعور بالألم والإرهاق.

في الدراسة المذكورة راقب الباحثون 40 جنديًّا في أثناء خدمتهم في إحدى قواعد القوات الجوية؛ حيث ظل الجنود مستيقظين لمدة 34 ساعة، وفي أثناء ذلك الوقت أعطى الباحثون الجنود اختبارات إدراكية وطلبوا منهم تسجيل حالتهم المزاجية ومدى شعورهم بالإرهاق، استَخدم نصف المشاركين في الدراسة جهاز "جاماكور" لمدة ثماني دقائق قرب بداية الاختبار، بينما أُعطِي النصف الآخر جهازًا مزيفًا يشبه الجهاز الحقيقي، ويؤدي استخدامه إلى استثارة الشعور نفسه الذي يُحدِثه الجهاز الأصلي، ولكن من دون إمرار تيار كهربي في الجسم، ظل الجنود الذين تلقوا التحفيز الحقيقي للعصب المبهم محتفظين بمستوى أدائهم دون تغيير تقريبًا مع مرور ساعات الليل، وأفادوا بأن شعورهم بالإرهاق كان أقل بمرور الوقت، مقارنةً بأفراد المجموعة الأخرى.

يقول ريتشارد مكينلي، وهو أحد المشاركين في تأليف الدراسة ويعمل مهندسًا للطب الحيوي في مختبر أبحاث القوات الجوية: "من المثير بالنسبة لنا أن الجنود لم يتحسن أداؤهم فحسب، بل إنهم كانوا أيضًا مدركين لذلك التحسُّن، كما أنهم شعروا بمستوى أقل من الإرهاق"، يقول مكينلي إن التحسُّن الذي طرأ على الحالة المزاجية ومستوى الطاقة لدى الجنود يمكن أن يمثل دافعًا لهم لاستخدام مثل هذا الجهاز خارج نطاق دراسة مدفوعة الأجر.

ورغم تشابه أداء المجموعتين على مدار الوقت في بعض أقسام الاختبارات الإدراكية، فإنه بعد ذلك بساعات قل معدل الانخفاض في مستوى أداء المشاركين الذين استخدموا "جاماكور" عن أقرانهم ممن لم يستخدموا الجهاز، وذلك في المهمات المتعلقة بالإدراك، مثل استيعاب وتركيب المعلومات البصرية والسمعية وغيرها من أنواع المعلومات.

استهدفت البحوث السابقة التي أُجريت على جهاز "جاماكور" وتحفيز العصب المبهم، فئاتٍ تعاني من أمراض مزمنة وغالبًا مُنهِكة، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والصداع النصفي، والصرع، يقول ستاتس والمؤلفون المشاركون في الدراسة: إن هذا العمل البحثي الجديد يأتي في صدارة الحملة الرامية إلى تجربة هذا العلاج على أشخاص أصحاء بهدف تحسين الأداء وتعزيزه.

يقول ستاتس: "يتلخص جُل عملنا في المجال الطبي في بلاد الغرب في مد يد المساعدة للناس عندما يصابون بالمرض فعليًّا، لكننا لا نبذل جهدًا مماثلًا في التفكير في تحسين النظم الصحية، أو في «كيفية تجنب حدوث الأمراض» أو «كيفية تطوير أنفسنا»".

يقول سيلبرشتاين، الذي لم يكن ضمن مؤلفي الدراسة: إن الجهاز يمكن أن يساعد طائفةً كبيرةً من الأفراد الذين يعانون من الحرمان من النوم، من عينة طياري القوات الجوية، والأطباء، وطلاب الجامعات المضطرين إلى كتابة أوراقهم البحثية في اللحظات الأخيرة.

كذلك يندرج رواد الفضاء ضمن الفئات الأخرى التي يمكن أن تستفيد من هذا البحث، تقول ليندسي ماكنتاير، المؤلفة الرئيسية للورقة البحثية والباحثة في شركة "إنفوسيتكس" Infoscitex، المتعاقدة مع وزارة الدفاع: إن وكالة ناسا أسهمت في توفير جزء من التمويل اللازم للدراسة؛ لأن رواد الفضاء غالبًا ما ينامون في ظروف صعبة وغير مألوفة لا تمنحهم الراحة المطلوبة، ومن ثم فإن إيجاد حل طويل الأمد لمشكلة الإرهاق ربما يجعل هؤلاء الناس أكثر صحةً وسعادةً وأقوى تركيزًا في مهماتهم في الفضاء.

بيد أن إيريك تشانج، الأستاذ المساعد بمعهد فاينشتاين للبحوث الطبية، الذي لم يكن أيضًا ضمن فريق الدراسة، يقول: إن الاكتشافات التي توصل إليها الفريق ربما لا تكون قابلةً للتعميم على الأشخاص الذين لا يتواصل حرمانهم من النوم لمدة 34 ساعة، مثلما كان الحال مع الأشخاص الذين شاركوا في الدراسة، ويضيف تشانج أن الدراسة بمنزلة "نتيجة نوعية محدودة"، تتوافق مع الدراسات الأخرى التي تناولت مسألة تحفيز العصب الحائر.

تشير ماكنتاير إلى أن الاختلافات في الأداء بين المجموعة التي استخدمت جهاز "جاماكور" والمجموعة التي استخدمت الجهاز الوهمي، والتي ربما تبدو طفيفة، مثل تلك التي لوحظت في اختبار المهمات المتعددة، يمكن أن تنطوي على مدلولات كبيرة، تقول عن ذلك: "لقد انخفض أداء المجموعة التي خضعت لتحفيز العصب الحائر بنسبة 5%، بينما بلغ الانخفاض في مجموعة الجهاز الوهمي 15%، هذا أمرٌ ليس بالهين، وربما يساوي حياة إنسان في مجالات بعينها، مثل الطب والمجالات العسكرية والنقل"، يخطط الباحثون أيضًا لإجراء بحوث تهدف إلى دراسة تأثيرات الجهاز على الأشخاص الذين يعانون من الحرمان من النوم بدرجة أخف.

تقول ماكنتاير إن هناك حاجةً إلى إجراء دراسات مستقبلية قبل أن يصبح بالإمكان التوصية باستخدام "جاماكور" للجنود والعمال من دون وصفة طبية، ويتضمن ذلك إجراء دراسات تختبر دور الجهاز في مقابل الدور الذي يقوم به الكافيين والمنبهات التقليدية الأخرى، يضيف مكينلي أن الدراسات الحالية التي تُجرى بالتوازي على الحيوانات تعيد فحص الآليات الخاصة بتأثير الجهاز، ويستعد مكينلي أيضًا لتقديم بحث حول تحفيز العصب الحائر بهدف تعزيز معدلات التعلُّم والحفظ.

يَدين جهاز "جاماكور" بالفضل في اختراعه لمجال علمي جديد نسبيًّا، هو الطب الحيوي الكهربائي، وهو تخصص يستخدم الكهرباء لاختراق نظام الإشارات في الجسم بهدف علاج الأمراض، وقد حقق الطب الحيوي الإلكتروني نتائجَ واعدةً في علاج أمراض المناعة الذاتية، مثل الذئبة الحمراء، عن طريق تحفيز العصب الحائر، وبناءً على ذلك ربما يصبح بالإمكان ذات يوم مواجهة كلٍّ من التعب والألم والالتهاب باستخدام "استراحة العصب الحائر".