طور الباحثون مستشعرًا خفيف الوزن وقابلًا لإعادة الاستخدام يثبَّت بالكمامة لرصد مدى كفاءة عملها، ويمكن للجهاز -المُسمَّى «فيس بيت» FaceBit- استشعار تسرُّب الهواء وتسجيل فترة ارتداء الكمامة، مع قياس معدل ضربات قلب مرتدي الكمامة ومعدل تنفسه باستمرار في الوقت نفسه، ويأمل مطوّرو الجهاز أن يسهم في دعم الأبحاث، وأن يكون عونًا للعاملين في مجال الرعاية الصحية وغيرهم ممن يرتدون أقنعة الوجه على مدار اليوم لمكافحة الأمراض مثل كوفيد والحد من انتشارها.

ففي كل مرة يسعل مرتدي الكمامة، أو يحك جلده، أو تعلو وجهه تعابير معينة، يتزحزح قناع وجهه شيئًا يسيرًا، وقد ينشغل العامل المنهمك في أداء مهمات عمله عن فحص ملاءمة الكمامة لوجهه في كل مرة يقوم بإحدى هذه الحركات، وقد يتسبب هذا في إصابة مرتدي الكمامة بالتوتر والقلق، على حد وصف جوسايه هيستر، المشارك في تطوير الجهاز، والذي يعمل مهندسًا للحاسب الآلي في كلية ماكورميك للهندسة بجامعة نورث ويسترن، ويقول هيستر إنه في أثناء تفشِّي جائحة «كوفيد»، كان زملاؤه العاملون في المجال الطبي يعربون له باستمرار عن مخاوفهم، كأن يأتي أحدهم قائلًا: "ساعدني لأفهم الوضع من حولي، وأعطني شيئًا يتابع تحركاتي لأنني لا أملك من الوقت ما يتيح لي الاعتناء بنفسي في أثناء مباشرة مهمات عملي التي تستلزم التعامل مع المرضى، والعناية بهذه الأعداد الغفيرة من المرضى المصابين بـ«كوفيد» الذين يتوافدون علينا"، ومن هنا بدأت فكرة الجهاز، كما يذكر هيستر، فاتخذ قرارًا بأن يطور جهازًا لا يحذر مرتدي الكمامة فحسب في حالة تسرُّب الهواء من الكمامة أو إليها، بل يسجّل أيضًا مؤشراته الحيوية على مدار اليوم، مما يتيح لمستخدميه أداةً لتقييم مستويات التوتر والإجهاد لديهم (وربما العمل على تقليل معدلاتها).

بدلًا من تطوير "كمامة ذكية" كليًّا قد لا تصلح لإعادة الاستخدام من الناحية العملية، لجأ فريق هيستر إلى ابتكار جهاز إلكتروني يزيد حجمه قليلًا على حجم عملة معدنية، يُثبت بقناع الوجه عن طريق مشبك مغناطيسي، ويحتوي على العديد من المستشعرات، ويكشف مستشعر الضغط عن حدوث أي تسرب، وهو ما يشير إلى مدى إحكام الكمامة على الوجه، وتتيح التغيرات في مستوى ضغط الدم لجهاز «فيس بيت» أيضًا التعرف على الوقت الذي تكون فيه الكمامة على وجه مرتديها، ومن ثم تسجيل مدة ارتداء الكمامة، والتحول إلى وضع "السكون" في حالة عدم استخدامها، كما يرصد «فيس بيت» معدل ضربات القلب عن طريق مقياس تَسارُع حسّاس يسجل الحركات الدقيقة ببشرة الوجه الناتجة عن كل نبضة من نبضات القلب، فضلًا عن قياس معدل التنفس عن طريق مستشعر حرارة، وتُنقل هذه البيانات عبر اتصال بلوتوث إلى تطبيق الهاتف الذكي المصاحب، يعمل الجهاز ببطارية، تُشحن شحنًا تكميليًّا من الطاقة المُستمَدة من تحركات الكمامة نتيجة حركة مرتديها وأنفاسه، ولهذا يمكن للجهاز أن يعمل لمدة 11 يومًا، على أقل تقدير، في كل مرة يُستخدم فيها.

وقد تحدث مطوّرو الجهاز عن مواصفات «فيس بيت» وخصائصه في ورقة بحثية نُشرت في أواخر الشهر الماضي في مجلة «بروسيدنجز أوف ذي إيه سي إم أون إنتراكتيف، موبايل، ويرابل آند يوبيكوتيس تيكنولوجيز» Proceedings of the ACM on Interactive, Mobile, Wearable and Ubiquitous Technologies، مشيرين إلى قدرة الجهاز على تحويل العديد من الكمامات، بمختلف أنواعها وفئاتها (ومن بينها أقنعة التنفس من فئة N95، وكذلك الكمامات الجراحية والأقنعة المصنوعة من القماش) إلى كمامات ذكية، ومع ذلك، يدرك الفريق أن ميزة الكشف عن مدى ملاءمة الكمامة للوجه تقتصر في جدواها على الأقنعة التي تكون محكمةً على الوجه -مثل الكمامات من فئة N95- دون غيرها، فعلى الرغم من إمكانية الاستفادة من مزايا الجهاز في رصد مدة ارتداء الكمامة وتتبُّع معدل التنفس وضربات القلب عند تثبيته بالكمامات الجراحية والأقنعة المصنوعة من القماش، فإن هذه الأنواع من الأقنعة تسمح بدخول كمية كبيرة جدًّا من الهواء من حول حوافها، مما يقوّض جدوى وظيفة الكشف عن مدى ملاءمتها للوجه.

وترى ليزا بروسو -مستشارة الأبحاث في مركز أبحاث وسياسات الأمراض المُعدية بجامعة مينيسوتا، والتي لم تشارك في مشروع «فيس بيت»- أن تتبُّع مدى ملاءمة الكمامة للوجه قد يكون مُجديًا وفعالًا للغاية بالنسبة للعاملين في مجال الرعاية الصحية ممن يرتدون أقنعة تنفس طيلة يومهم في ظل تفشِّي الجائحة الحالية، وتضيف قائلةً: "نود لو أننا نحظى جميعًا -وليس العاملين في مجال الرعاية الصحية وحدهم- بهذا الجهاز لكل قناع تنفس نستخدمه؛ إذ سيطلعك الجهاز باستمرار على ما إذا كانت الكمامة التي ترتديها ملائمةً ومحكمة على وجهك، أو يحذرك فيما عدا ذلك"، غير أن بروسو تبدو متشككةً في قدرة الجهاز على قياس مدى ملاءمة الكمامة بشكل متسق؛ إذ تستدرك قائلةً: "ربما يبدو الجهاز واعدًا من هذا المنطلق، غير أنهم لم يختبروه أو يتحققوا من كفاءته بطريقة تدفعني للتسليم بفاعليته".

وأشارت بروسو إلى أنها كانت ستشعر بحماس غامر لو كان فريق «فيس بيت» قد أخضع تقنية الكشف عن التسرب التي يوفرها مستشعر الضغط للفحص والمقارنة قياسًا على الاختبارات المعيارية المعنية بقياس مدى ملاءمة أقنعة التنفس لمستخدميها، وفي هذا الصدد تقول بروسو: "ثمة طريقتان -كمية ونوعية- مثبتتان ومجربتان من أجل تقييم مدى ملاءمة قناع التنفس للأشخاص عند تخصيصه لهم"؛ فالاختبار الكمي يعمل على قياس تركيز الجسيمات داخل الكمامة، ومقارنتها بتركيزاتها في الهواء المحيط، في حين يعمد الاختبار النوعي إلى رش رذاذ له رائحة مميزة في الهواء المحيط، مثل زيت الموز، أو مواد لها مذاق قوي لاذع أو سكري، ثم ملاحظة ما إذا كان مرتدي قناع التنفس قادرًا على شم هذه المواد أو تذوُّقها في أثناء ارتدائه للقناع.

لا ريب أن هذه الاختبارات تستلزم توافر الإمكانيات والوقت، وهما عنصران يعجز الكثير من الأشخاص من خارج مجال الرعاية الطبية عن توفيرهما، ويشير آدم فينكل -عالِم الصحة البيئية في كلية الصحة العامة بجامعة ميشيغان، والذي لم يشارك في مشروع «فيس بيت»- إلى أن أداة التتبُّع، حتى وإن كانت تفحص مدى الملاءمة مرةً واحدةً يوميًّا، من شأنها أن تكون بمنزلة إضافة تعزز الاختبارات المعيارية، ويضرب على ذلك مثلًا، قائلًا: "لقد كان قناع التنفس ملائمًا ومحكمًا على وجهك البارحة، لكن ثمة شيئًا قد تغير اليوم، وأنت ستعبث بـ[قناع التنفس] بضع دقائق محاولًا إصلاحه، ثم ستحاول مرةً أخرى"، بيد أن فينكل يشارك بروسو فيما تراه من ضرورة قيام فريق «فيس بيت» بإخضاع تقنية تقييم الملاءمة عن طريق استشعار الضغط للفحص والمقارنة قياسًا على الاختبارات الحالية.

ويعتزم هيستر الاستمرار في إجراء الاختبارات على مشروعه وتنقيحه، ويوضح ذلك قائلًا: "سيكون الجهاز مفتوح المصدر ومتصلًا بالإنترنت"، ومن المقرر أن يجمع فريق هيستر مجموعةً من أجهزة «فيس بيت» و"يوزّعها على عدد من الأشخاص، ويسمح لهم باستخدامها، وتجربتها، والعبث بها"، كما سيتسنى لباحثين آخرين إجراء بضعة تعديلات على التصميم، ربما بهدف تحسين المكونات المعنية باستمداد الطاقة وزيادة عمر البطارية، أو دراسة الإجهاد والإعياء الذي يتعرض له العاملون في مجال الرعاية الصحية على مدار يومهم، أو استخدام أداة تتبُّع معدلات التنفس لاستبانة الحالة الصحية لمرتدي الكمامة، وعلاوةً على كل ذلك، سيتسنى لهم أيضًا إضافة مستشعرات جديدة قد تفتح آفاقًا للمزيد من الاستخدامات التي ستُضاف إلى هذا الجهاز.

وفي هذا الصدد، تقترح بروسو إحدى صور هذه الاستخدامات؛ إذ تفترض زيارة مجموعة من الأشخاص لمكان فيه بعض الملوثات، فقد يستفيد هؤلاء من تعزيز أقنعتهم التنفسية بجهاز «فيس بيت» الذي يحتوي على مستشعر لاستكشاف تركيز المخاطر البيئية، وبناءً عليه، يمكن معرفة ما إذا كان معدل ضربات قلب مرتدي القناع وتنفسه قد طرأ عليه تغيُّر لوجود الملوث، ليوفر بذلك نظام إنذار مبكر ويكشف للباحثين عن مدى تأثير هذه المواد على صحة البشر، وحول هذا تقول بروسو: "أنا لا أرفض هذا الجهاز كليةً، بل أعتقد أنه في جعبة هذه المستشعرات الكثير والكثير من التطبيقات".