تُعد الكتل السامة التي يؤلفها اثنان من البروتينات، هما beta-amyloid وtau، من السمات المميزة المعروفة للإصابة بمرض ألزهايمر، وهي السبب الأكثر شيوعًا للخرف، بيد أن بروتينًا آخر، أُطلق عليه اسم TDP-43، جذب اهتمامًا متزايدًا في السنوات الأخيرة، بوصفه عاملًا ضارًّا آخر يندرج في قائمة مسببات الخرف؛ فهو يسهم في أحد أشكال القصور الإدراكي الشائعة إلى حدٍّ مفاجئ بين كبار السن، بل وصُنف في حد ذاته كحالةٍ مرضيةٍ منفصلةٍ عن أنواع الخرف الأخرى، مثل مرض ألزهايمر.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه كما هو الحال مع بروتيني beta-amyloid، وtau، يتجمع بروتين TDP-43 مشكلًا كتلًا تدمر الدماغ، وهو ما يسفر عن قصور إدراكي، في حالةٍ تُعرف باسم «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» (أو اختصارًا LATE).

وقد وجدت دراسةٌ حديثةٌ أن «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» قد ينتشر بشكل كبير بين كبار السن بوجه عام، والأفراد المصابين بمرض ألزهايمر، وهو ما يؤدي إلى تدهور الإدراك في فئة الأفراد الأخيرة.

تعقيبًا على ذلك تقول جولي شنايدر، طبيبة الأعصاب والأمراض العصبية من جامعة راش في شيكاجو: "إن «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» لا يُعَد فقط سببًا مهمًّا ومختلفًا للإصابة بالخرَف الذي يأخذ شكل داء ألزهايمر"، فهو كذلك "يؤدي دورًا مهمًّا في باثولوجيا مجموعة فرعية كبيرة من الأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر".

وقد اكتُشف هذا البروتين TDP-43 للمرة الأولى في عام 2006، عندما وجد باحثون نُسخًا مشوهةً من البروتين في أدمغة بعض المرضى الذين لقوا حتفهم بسبب التصلب الجانبي الضموري (ALS)، وفي مرضى يعانون شكلًا شائعًا من الخرف الجبهي الصدغي، يُعرف باسم تنكس الفص الجبهي الصدغي (FTLD).

وبعد مرور نحو عام، أفاد العلماء بأن اعتلال بروتين TDP-43 المرضي وُجد أيضًا في أدمغة أشخاص مصابين بمرض ألزهايمر، ومرض تصلُّب الحصين، الذي يرتبط بتغيُّرات مرضية في منطقة الحصين بالدماغ، وفي هذه المجموعة الأخيرة، عادةً ما كانت تظهر تكدساتٌ لبروتين TDP-43 في المناطق الحوفية، مثل الحصين واللوزة، وهي مناطق تتعرض للتلف أيضًا في مرض ألزهايمر.

وما إن تنبهت الأوساط العلمية لدور بروتين TDP-43، حتى "بدأت انعكاساته تتجلى للجميع"، على حد قول بيتر نيلسون، اختصاصي أمراض الأعصاب من جامعة كنتاكي، مع ذلك، لم ينتشر آنذاك مصطلحٌ لوصف الحالة المرضية التي يسبِّبها تشوُّه هذا البروتين، من هنا، في عام 2018، اجتمع باحثون في أتلانتا لحضور ورشة عمل لمناقشة طبيعة اعتلالات بروتين TDP-43 في الدماغ، ومن هذا الاجتماع، وُلدت ورقة بحثية حظيت بإجماع الآراء، نُشرت في عام 2019، وطُرح فيها لأول مرة اسم «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» ( LATE)، باعتباره مصطلحًا لوصف ما عدَّه كثيرٌ من الباحثين اضطرابًا فريدًا في الدماغ.

آنذاك، كان للمصطلح منتقدوه، ولا يزال بعض أعضاء المجتمع البحثي يتساءل عما إذا كانت هذه التسمية في محلها أم لا.

ويرى نيلسون -واضع الورقة البحثية- أن هذه التسمية قدمت وصفًا لثلث الحالات التي لم يُطرح لها تشخيصٌ قياسي في السابق، وساعدت في تشجيع الأبحاث الجديدة في هذا المجال، وأضاف قائلًا: "مما أجده باعثًا على كثير من الرضى في ورقة 2019 البحثية، أنها تزامنت مع ظهور قفزة هائلة في أعداد الأشخاص الذين يدرسون هذا الاعتلال"، وقد اتضح أن هذا المرض أكثر شيوعًا مما يعتقده الناس، وأنه كثيرًا ما يُبخس تقدير آثاره.

حالة شائعة

تشير الدراسات حتى الآن إلى أن «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، كما يوحي اسمه، يميل إلى النشوء في مرحلة متأخرة من العمر، في الثمانينيات أو في أعمار أكبر.

ويرى نيلسون أن «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المرتبط بالعمر» يشبه إلى حدٍّ كبير مرض ألزهايمر إكلينيكيًّا، ويُعد فقدان الذاكرة من أقدم العلامات الدالة على الإصابة به وأبرزها، إلا أنه في مراحل لاحقة يضعف أيضًا الأداء الوظيفي في مساحات إدراك أخرى.

ويضيف نيلسون أنه من حيث الأعراض، يميل «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» في الصورة "النموذجية" منه إلى الارتباط بتدهور تدريجي يفوق هذا التدهور في الصورة النموذجية لمرض ألزهايمر، غير أن الإصابة بكلا الاضطرابين معًا تؤدي إلى أعراض تدهور أسرع وتيرةً وأكثر شدةً من أيٍّ منهما وحده.

وفي هذه الدراسة الأخيرة، التي نُشرت الشهر الماضي في دورية «أكتا نيوروباثولوجيكا» Acta Neuropathologica، عمد نيلسون وشنايدر وزملاء لهما من مؤسسات بحثية شتى إلى دراسة بيانات جُمعت من أكثر من 6 آلاف شخص متوفى (62% منهم من النساء)، تبرعوا بأدمغتهم للأغراض البحثية، وقد توفي هؤلاء المشاركون عن عمر يبلغ 88 عامًا في المتوسط، وهم ينتمون إلى 13 فئةً مجتمعية، في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والبرازيل، والنمسا، وفنلندا، وقبل الوفاة، كان 42% منهم مصابين بالخرف، وعانى 15 % منهم من ضعف إدراكي طفيف، و43% منهم تمتعوا بوظائف إدراكية طبيعية.

وبعد فحص كلٍّ من أنسجة أدمغة هؤلاء المتبرعين، وخصائصها، مثل حالة الوظائف الإدراكية قبل الوفاة، وجد الفريق البحثي أن ما يقرب من 40% من المشاركين طرأت عليهم تغيرات مرضية مرتبطة بـ«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، وفي أوساط المشاركين الذين عانوا تكدسًا للويحات الأميلويد في الدماغ، وهو إحدى العلامات الكاشفة الدالة على الإصابة بمرض ألزهايمر، بلغت نسبة الإصابة بـ«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المرتبط بالعمر» حوالي 50%.

في ذلك الصدد، تقول نينا سيلفربيرج، مديرة برنامج مراكز مكافحة مرض ألزهايمر في المعهد الوطني للشيخوخة، والتي لم تشارك في الدراسة: "ساعدت هذه الورقة البحثية حقًّا في ترسيخ فكرةٍ مفادها أن "«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» أكثر شيوعًا مما كنا نعتقد سابقًا"، (تجدر الإشارة إلى أن سيلفربيرج ساعدت في تنظيم ورشة العمل التي شهدها عام 2018، والتي أسفرت عن وضع تسمية «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»).

كذلك وجد باحثون أدلةً على أنه "في أوساط المشاركين المصابين بمرض ألزهايمر، يميل مَن يعانون أيضًا من «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» إلى إظهار أعراض قصور إدراكي أكبر من أولئك الذين لم يصبهم هذا الاعتلال".

وترى شنايدر أن سبب حدوث ذلك يُعد لغزًا عالقًا بلا جواب، ولعل جزءًا من التفسير يتمثل في أن عملية التلف الدماغي الناجمة عن أكثر من اضطراب مرضي قد تؤدي ببساطة إلى وقوع مزيد من الضرر، وتضيف أنه لم يتضح بعدُ ما إذا كانت عمليات التلف تلك يغذي بعضها بعضًا لمفاقمة الضرر، أم لا.

وفي الوقت الحالي، لا يمكن الوصول إلى تشخيص مؤكد لـ«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» إلا من تشريح الجثث، بعكس الحال مع مرض ألزهايمر، الذي يمكن فيه اكتشاف السمات المميزة له، مثل تراكُم لويحات الأميلويد عن طريق فحص الدماغ بالتصوير المقطعي القائم على الانبعاثات البوزيترونية، أو عن طريق فحص السائل الدماغي الشوكي، وهو السائل المحيط الدماغ والحبل الشوكي.

وقد انطلقت في الوقت الحالي جهود للبحث عن مؤشرات حيوية تكتشف بروتين TDP-43، وفي الوقت نفسه، على حد ما أفاد به شنايدر، بدأ الأطباء يقتربون من تطوير أساليب لتشخيص اعتلالاته والمرضى لا يزالون على قيد الحياة.

وفي ضوء وجود مؤشرات حيوية تدل على الإصابة بمرض ألزهايمر، قد يُعد تبيُّن وجود نمطٍ من فقدان الذاكرة، وتقلُّصٍ لمنطقة الحصين لدى بعض مرضى العيادات الإكلينيكية، دون أي دلائل على تراكُم لويحات الأميلويد، علامةً كاشفةً تنم عن الإصابة بـ«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، حول ذلك تقول شنايدر: "أراهن عندئذٍ على أن الشخص مصاب بـ«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، وأعتقد أن الكثير من الأطباء الآخرين قد صاروا يقفزون إلى التخمين نفسه".

هل هو اضطراب جديد؟

عندما طُرح اكتشاف «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» في الأوساط العلمية للمرة الأولى، لم يُجمع الكل على قبوله، واستجابةً للورقة البحثية سالفة الذكر التي حظيت بإجماع عدد من الباحثين، كتبت مجموعة باحثين آخرين -ضمت بعض مَن شاركوا في اكتشاف بروتين TDP-43 لأول مرة- مقال رأي يتساءل عما إذا كانت تسمية الاعتلال في محلها، وكتب واضعو المقال: "اقتُرحت التسمية «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، كاختصار جذاب لوصف الإصابات الناجمة عن ردود أفعال مناعية مرتبطة بالبروتين TDP لدى المصابين بمرض ألزهايمر، ولدى كبار السن"، وأضافوا: "مع ذلك، فإننا نشكك في أن المصطلح حديث، وفي صحة تصنيف المرض، وفي إطار العمل ذاك الذي يبدو أنه يفصل بين «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، ومرض تنكس الفص الجبهي الصدغي الناتج عن بروتين TDP-43، وأمراض أخرى".

ولا يزال ويليام هو -طبيب الأعصاب من جامعة روتجرز، وأحد كاتبي مقال الرأي ذاك- يتساءل عما إذا كان ينبغي توصيف «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» على أنه اضطراب مختلف ومنفصل؛ فمن وجهة نظره، تُعد تكدسات بروتين TDP-43 سمةً مميزةً لأمراض مختلفة، عُثر فيها على هذه التكدسات، التي لا ينبغي إدراجها معًا تحت تصنيف واحد، فيقول: "قبل علاج «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» على أنه مرضٌ منفصلٌ بلا شك، يحتاج الباحثون إلى النظر عن كثب في الخصائص الجزيئية لتكتلات بروتين TDP-43 التي تميِّز هذه الأنواع الفرعية المختلفة من الأمراض، لتحديد ما إذا كان جميعها يندرج حقًّا تحت مظلة تشخيصية واحدة".

ويضيف هوْ أنه في حالات مثل التصلب الجانبي الضموري (ALS)، وتنكُّس الفص الجبهي الصدغي (FTLD)، تشير الأدلة المتوافرة حتى اليوم إلى اعتلالات بروتين TDP-43 باعتبارها مسببًا رئيسًا لهذا المرض، أما فيما يخص مرض ألزهايمر، فلا تزال أسئلة مهمة حول بروتين TDP-43 عالقةً بلا جواب، على سبيل المثال، هل تكدسات بروتين TDP-43 ليست إلا آثارًا جانبيةً لتدهوُر خلايا الدماغ، أم أنها تُسهم في المرض بطريقةٍ ما؟ وهل بروتين TDP-43 ذو صلة بتراكم لويحات الأميلويد، أم أنها عملية منفصلة؟

لقد ساعد الجدل حول تسمية «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» في إثارة أسئلة مهمة، وأطلق جهودًا لتناوُلها، على حد قول سيلفربيرج، ولا تزال هناك العديد من الألغاز الغامضة فيما يتعلق بـ«اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر»، والوصول إلى فهمٍ أفضل لهذه الحالة المرضية قد لا يساعد فقط في العثور على علاجات للأفراد المصابين باعتلالات بروتين TDP-43، بل يمهد الطريق أيضًا لإجراء تجارب إكلينيكية أفضل حول مرض ألزهايمر.

في هذا السياق، تقول سيلفربيرج: "لعل جزءًا من فشل العديد من تجاربنا هو أن بعض الأشخاص الذين بدوا كمصابين بمرض ألزهايمر -قبل أن تتوافر لدينا مؤشرات حيوية يمكننا استخدامها خلال حياة المريض- عانوا مرضًا آخر"، وتضيف: "على الأقل مع التجارب الجديدة، سنعلم أن ما علينا استهداف علاجه هو لويحات الأميلويد، التي أخذت التجارب تستهدفها، ويحدونا الأمل في أن نتمكن في المستقبل من فعل المثل في حال بروتين TDP-43".

ختامًا، تقول شنايدر: "أعتقد أن التسمية ليست مهمةً بالدرجة الكبيرة، التي تُعد الرسالة بها كذلك، إذ أرى أن الدافع الذي يحركنا جميعًا هو نشر الوعي حول مدى أهمية دراسة «اعتلال بروتين TDP-43 الدماغي الحوفي السائد المصاحب لتقدم العمر» والبروتين المسبب له TDP-43.