يصيب الاكتئاب أكثر من 264 مليون شخص من جميع الأعمار حول العالم، وتُصنِّف منظمة الصحة العالمية الاكتئاب باعتباره واحدًا من أكثر الأمراض المُنهِكة للمجتمع، وهو ما يتجلى في عدة حقائق، أهمها أن الاكتئاب هو المُسبِّب الرئيسي للإعاقة على مستوى العالم، كما يُعد المرض النفسي الأكثر ارتباطًا بالانتحار، الذي يُعد مسؤولًا بدوره عن ثمانمئة ألف حالة وفاة حول العالم سنويًّا، ويعجز المصابون بالاكتئاب عن إدارة شؤونهم وتلبية احتياجاتهم، والمحافظة على علاقاتهم الاجتماعية، مما يؤثر بالسلب على مناحي حياتهم كافة، من المدرسة والعمل، إلى التواصل مع الآخرين، ووصولًا إلى نوعية الحياة بشكل عام.

ومن حيث قابلية العلاج، فإن ثلث المصابين بالاكتئاب تقريبًا لا يستجيبون لاثنين أو أكثر من مضادات الاكتئاب، وتُعتبر حالتهم مستعصيةً على العلاج، الاكتئاب المستعصي على العلاج هو داء مزمن يضع على كاهل المريض، وأحبائه، والمجتمع من حوله، عبئًا عاطفيًّا ووظيفيًّا واقتصاديًّا متزايدًا، ويرتبط الاكتئاب أيضًا بزيادة قابلية الفرد للإصابة بالأمراض، وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية، وزيادة احتمالات الإصابة بحالات مختلفة من الاعتلالات المُصاحبة للمرض.

وعلى الرغم من توافر عدد من مضادات الاكتئاب، فإن جميعها يعمل بآلية واحدة، تعتمد على تغيير مستويات الجزيئات المسؤولة عن تبادل الإشارات في المخ، والمعروفة باسم النواقل العصبية أحادية الأمين، وكانت عملية تطوير العقاقير الجديدة المضادة للاكتئاب قد تباطأت وتيرتها لسنوات عدة، وتزامن ذلك مع انسحاب الكثير من شركات الأدوية انسحابًا كاملًا من دعم بحوث العلوم العصبية، بيد أن التقدم العلمي في الفترة الأخيرة كان له الفضل في استحداث مضادات اكتئاب، تعمل من خلال آليات مختلفة تمامًا عن سابقاتها.

ويُعَد المخ، بوصفه نظامًا لمعالجة المعلومات، النظام الأكثر تقدمًا والأعلى قدرةً على التكيف مع المتغيرات في الوجود، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى مرونته الهائلة، كان العلماء -وما زالوا- يستندون إلى كل جديد يصل إليه علم الأعصاب في جهودهم لتطوير مضادات اكتئاب جديدة تمامًا، وسريعة المفعول، وفي هذا الخصوص، بيَّنت أدلة علمية كثيرة أن الطريقة التي يعمل بها اثنان من المُستقبِلات، وهما من نَوعَي AMPA وNMDA، ويوجدان على معظم الخلايا العصبية التي تستجيب للناقل العصبي "جلوتامات" glutamate، تتغير لدى المرور بمناطق الاتصال الدقيقة بين الخلايا العصبية، المعروفة باسم التشابكات العصبية، هذه المرونة في التشابكات العصبية يمكن النظر إليها بوصفها آليات يتم بواسطتها التحكم في قوة سريان المعلومات عبر هذه الفجوات الدقيقة الموجودة بين خلايا المخ، وقد برهن العلماء استنادًا إلى هذا الجهد البحثي على أن تعطيل مُستقبِلات NMDA الموجودة على أسطح الخلايا المثَبِّطة، ومن ثَمَّ تيسير تدفق شحنة من الجلوتامات، يمكن أن يكون له مردود سريع ومضاد للاكتئاب في حالات الاكتئاب المستعصي على العلاج، وفي عام 2019، دفع هذا الاكتشاف إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة، ووكالة الأدوية الأوروبية، إلى إجازة استخدام مُركَّب "إسكيتامين" esketamine المضاد لمُستقبِل NMDA في علاج الاكتئاب المستعصي على العلاج، (ويُعد الإسكيتامين قريب الشبه كيميائيًّا من الـ"كيتامين" ketamine، وهو مُخدر وعقار هلوسة معروف)، إن صدور مثل هذه الموافقات عن الوكالة الأوروبية يفسح الطريق أمام إمكانية تطوير الجيل التالي من العلاجات المنتمية إلى هذه الفئة، وعلى الرغم من أن تعاطي الإسكيتامين بجرعات منخفضة جدًّا ضمن إطار هذا النوع من العلاج قد يعني أن مفعوله سيكون انتقائيًّا إلى حدٍّ ما، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أن الإسكيتامين يستهدف كل مُستقبِلات NMDA بالفعل، بعض مستقبلات NMDA قد يكون مسؤولًا بشكل أكبر عما للمُركَّب من فوائد علاجية مضادة للاكتئاب، في الوقت الذي قد يكون بعضها الآخر مسؤولًا عن بعض الآثار الجانبية له، وبالتالي، فإن الجيل التالي من بعض العقاقير التي تعمل كمضادات لمُستقبِل NMDA قد يعمل بالفاعلية نفسها ولكن بآثار جانبية أقل.

وفي عام 2019 أيضًا، أجازت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية استخدام عقار "ألوبريجنانولون" allopregnanolone الذي يؤخذ عبر الوريد كأول دواء من نوعه لعلاج اكتئاب ما بعد الولادة عند السيدات، ويحتوي هذا العقار على مُركَّب ستيرويدي ذي نشاط عصبي، ويشبه هرمون البروجستيرون في بنيته، ويعمل من خلال مُستقبِلات "جابا" GABA، ويُعتقد أنه يخفف من أعراض الاكتئاب والقلق، عن طريق زيادة معدل بث الإشارات المبنية على مُستقبِلات "جابا" عبر المخ، وتَجري حاليًّا تجربة على نطاق أوسع لاستخدام نُسخة مُعدَّة للتعاطي عن طريق الفم من عقار ألوبريجنانولون، تحت اسم "زيورانولون" zuranolone، وذلك لمعرفة تأثيرها على الاكتئاب المستعصي على العلاج.

وتؤدي عقاقير الهلوسة أيضًا -مثل عقار "سيلوسيبين" psilocybin- دورًا في هذا الصدد، وفي تجربة استطلاعية بارزة نُشِرت في دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" New England Journal of Medicine في مطلع العام الجاري، أجرى الباحثون مقارنةً بين السيلوسيبين والعقار الذي يُستخدم على نطاق واسع لعلاج الاكتئاب، المعروف باسم "إيسيتالوبرام" escitalopram، ورغم عدم القطع بوجود اختلافات قوية بين العقارين، فإن عددًا من الملحوظات الإيجابية -كمستويات الاستجابة، والتعافي من الأعراض- كانت أكثر شيوعًا في الأشخاص الذين عُولجوا بعقار سيلوسيبين، أدى ذلك إلى تجدُّد الاهتمام بالمُعالجة بعقاقير الهلوسة بوصفها وسيلةً أخرى لاكتشاف العقاقير، ومن المُنتظَر أن تظهر طرق جديدة أخرى في مجال تطوير العقاقير، وكل منها قد يسهم بأدوية جديدة ومهمة في معالجة هذه الحالة المرضية المُنهِكة، ومن المعروف أن الناقل العصبي "أوريكسين" orexin يُنظِّم عمل الدوائر العصبية الحافِّيَّة، التي تؤدي دورًا في مرض الاكتئاب، ومن ثَمَّ فإن التجارب التي تتناول مضادات المُستقبِل المعروف باسم "أوريكسين2" orexin2 تجري على قدم وساق، وهناك أدلة على أن العوامل المناعية العصبية قد يكون لها دور، ليس في أمراض التنكس العصبي فحسب، بل في الاكتئاب أيضًا، إن الخلايا الدبقية الدقيقة هي الخلايا المناعية المُقيمة في المخ، ولهذا تجري حاليًّا جهود حثيثة لدراسة مضادات المُستقبِل المعروف باسم "بي2إكس7" P2x7 (الذي يُنظِّم عمل الخلايا الدبقية الدقيقة)، وأخيرًا، يعمل العلماء على استكشاف طرق إبداعية لرفع مستويات مُشتقات القنب الموجودة طبيعيًّا في جسم المصاب بالاكتئاب (بدلًا من إعطائه القنب، أو مصادر أخرى لمُشتقات القنب) لتعمل كمضادات جديدة للاكتئاب.

ورغم كل تلك التطورات، فلا يزال هناك قصورٌ يعتري بعض جوانب مجال الصحة العقلية، ومن ذلك جوانب تتعلق بتصميم علاجات تُلائم حالة مرضى بعينهم، ومُعالَجة الأعراض الإدراكية للفصام بصورة مناسبة، وضمان حماية المرضى من الانتكاس حمايةً طويلة الأمد، واستمرارية فاعلية العلاجات الموصوفة لمعظم الأمراض، وتحقيق نتائج أفضل على الصعيد الوظيفي (بحيث لا يقتصر دور العلاج على تخفيف أعراض المرض فحسب، بل يساعد المريض على ممارسة الحياة بشكل طبيعي أيضًا).

إن تلك الثغرات التي تُسبب قصورًا في مجال العلاج هي التي تُحفِّز الصناعة، وأوساط البحث العلمي، والحكومات، على مواصلة الدراسات الخاصة بالاكتئاب، بجانب العمل على اكتشاف علاجات جديدة وفعالة وتطويرها، بما يخدم الأشخاص الذين ما زالوا يعانون من الأعراض ولا يتعافون بالكامل عند استخدام العلاجات الحالية.

هذا المقال هو مقال للرأي والتحليل، ووجهات النظر الواردة فيه لا تعكس بالضرورة وجهة نظر ساينتفك أمريكان