تُثير العبارات الصريحة والصادمة التي حملها التقرير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC) هذا الأسبوع، حالةً من الانزعاج الشديد إذا ما أخذنا بعين الاعتبار اللغة الحذرة التي تتسم بها التقارير العلمية عادةً؛ فوفقًا لأول إجماعٍ في الرأي بين مؤلفي الوثيقة البالغ عددهم 234، "من الواضح تمامًا" أن حرق البشر للوقود الأحفوري قد تسبَّب في حدوث تغير المناخ، في الواقع، تُشير البيانات المُعاد تجميعها في التقرير إلى أن متوسط ​​درجة حرارة سطح الأرض لم يكن على الأرجح بهذه الشدة منذ فترة طويلة، خلال نحو 125 ألف عام [انظر: "التغير في درجة حرارة سطح الأرض"].

أشارت كيم كوب -اختصاصية علم المناخ في معهد جورجيا للتكنولوجيا وإحدى أبرز مؤلفي هذا التقرير التقييمي، في موجزٍ صحفي قبل إصداره- إلى أن أحدث تقريرٍ صادرٍ عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لا يتحفظ في وصفه للعواقب المترتبة على ارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة، وبدرجةٍ أكبر من اليقين مقارنةً بالتقارير السابقة التي صدرت عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، خلصت كوب والمؤلفون المشاركون معها في إعداد التقرير إلى أن تغير المناخ يتسبَّب بالفعل في موجاتٍ حارة شديدة، وفترات جفاف حادة، وأمطار غزيرة، وأعاصير مدارية في جميع أنحاء العالم، وفي جميع السيناريوهات المحتملة المترتبة على الانبعاثات محل الدراسة، سوف تواصل درجات الحرارة الارتفاع حتى عام 2050 على أدنى تقدير، ومن المرجح أن تتجاوز 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2040، غير أنه إذا انخفضت الانبعاثات إلى الصفر بحلول عام 2050 -أو بعبارة أخرى، إذا تحقق التوازن بين انبعاثات غازات الدفيئة وكميات غازات الدفيئة التي تُزال من الغلاف الجوي- يمكن أن يظل الاحترار مقتصرًا على 1.5 درجة مئوية طوال هذا القرن.

الوثيقة التي يربو عدد صفحاتها على 4 آلاف صفحة وتستشهد بأكثر من 14 ألف دراسة، هي أول تقييم بهذا الحجم تعده الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لحالة علم المناخ منذ عام 2013، والطابع اليقيني الذي يتسم به التقرير ليس قائمًا فحسب على فهمٍ أفضل للنظام المناخي لكوكبنا الأرضي، بل يستند أيضًا إلى تحقيقاتٍ واستقصاءاتٍ بشأن الماضي المناخي للكوكب؛ فالبيانات المستقاة من الشعاب المرجانية، وحلقات الأشجار، والعينات المُستخرجة من الجليد أو الرواسب البحرية، وغيرها من المصادر، تتيح لباحثي المناخ القديم، مثل كوب، سبر أغوار السجلات الحديثة والعوالم القديمة، الأمر الذي يُثمر عن رؤى كاشفة وتنبؤات بالغة الأهمية لعلوم المناخ اليوم، وقد أجرت مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American حوارًا مع كوب عن دور بيانات المناخ القديم في صقل التقرير الجديد الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وأهمية توفير سياق للاحترار البيئي الذي يشهده كوكبنا الأرضي حاليًّا.

[فيما يلي نسخة منقحة من الحوار]

لماذا تُعد دراسة ماضينا المناخي شيئًا مهمًّا؟

نظرًا إلى أن سجلات المناخ المستمدة من قياسات الأجهزة غالبًا ما تعود بنا إلى الوراء لفترة 50 عامًا فقط -وأحيانًا قد تصل هذه الفترة إلى 100 عام أو 150 عامًا- لا يمكننا حقًّا فهم النطاق الكامل للتنوع الطبيعي في النظام المناخي للأرض، والشيء الذي يمكننا فعله مع سجلات المناخ القديم هو تمديد الفترة الزمنية التي تغطيها تلك السجلات، لقد أصبح لدينا الآن سجلاتٌ كافية للعديد من المناطق في العالم، مما يساعد في وضع متوسطات واسعة النطاق، تلك النوعية من المتوسطات التي تسمح لنا بعقد مقارناتٍ مباشرة مع ما يحدث اليوم في جميع أنحاء الكوكب، من الأهمية بمكانٍ توفير هذا السياق؛ نظرًا للإيقاع السريع الذي تتغير به الأشياء اليوم على نحوٍ غير معهود.

كيف استخدمتم أبحاث المناخ القديم في هذا التقرير الجديد؟

كانت أبحاث المناخ القديم جزءًا من كل تقييمٍ أجرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وذلك منذ صدور التقييم الأول في عام 1990، لكن الشيء المختلف في هذا التقرير الجديد هو أنه بدلًا من إحالة الأدلة البحثية كلٍّ إلى مصدره المتخصص، ثمة محاولة لدمج مصادر الأدلة المتنوعة في كل جانبٍ من جوانب التقرير، فعلماء المناخ عبر مختلف التخصصات يدركون الآن مدى ثراء المعلومات التي تتيحها مصادر المناخ القديم؛ إذ بلغ هذا المجال مرحلة النضج في العقود الأخيرة، وصار قادرًا على توفير معلوماتٍ كمية تفسح المجال لأنواعٍ من التحليلات الكمية الأكثر شيوعًا في دراسات التغير المناخي الحالي.

هل ثمة سوابق في السجل الجيولوجي للتغيرات المناخية التي نشهدها اليوم؟

من المثير للاهتمام إلقاء نظرة على زمن مر عليه نحو 125 ألف عام، خلال الفترة الأخيرة الفاصلة بين عصرين جليديين، تتراوح الارتفاعات في درجات الحرارة خلال تلك الفترة -وفق أفضل تقديراتنا- بين نحو درجة ودرجتين مئويتين، وهو ما لا يختلف عن وضعنا الحالي، إذ تتجاوز درجة الحرارة اليوم عصور ما قبل الصناعة بدرجة مئوية واحدة تقريبًا، حينذاك، كان السبب وراء الارتفاعات في درجات الحرارة هو التغيرات التي حدثت في مدار الأرض حول الشمس، واستمر الاحترار مدةً طويلة على مدار عدة آلاف من السنين، بما يكفي لإذابة الطبقات الجليدية في جرينلاند، مما أدى إلى ارتفاع مستويات سطح البحر عالميًّا من 5 إلى 10 أمتار، وتطرح هذه الأرقام علامات استفهام كبيرة حول أوضاع كوكبنا في الماضي الجيولوجي غير السحيق، وحول المسار الذي سيسلكه على المدى الطويل في ظل الآثار التي تخلِّفها مستويات الاحترار الحالية على كوكب الأرض.

ومع ذلك، لا تُعد أي فترة من فترات الاحترار التي شهدتها الأرض في الماضي نظيرًا مناسبًا لما تشهده اليوم؛ فالمعدلات المرصودة اليوم تُبرِز الفرق بين التغير المناخي الحالي والتغيرات السابقة بالحجم نفسه، التي حدثت على مدار فترات زمنية أطول بكثير، وكان سببها عوامل مناخية طبيعية.

 Graph shows change in global surface temperature as reconstructed from A.D. 1 to 2000 and observed from 1850 to 2020.

Credit: Amanda Montañez; Source: Climate Change 2021: The Physical Science Basis: Summary for Policymakers. Working Group 1 to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change. Cambridge University Press (in press)

يشتمل هذا التقرير على تقديراتٍ جديدة لمقياس مهم يسمى حساسية المناخ، فما المقصود بهذا؟ وكيف ساعدت دراسات المناخ القديم على تقديره؟

حساسية المناخ هي في الأساس مقدار الاحترار الذي يحدث لكل وحدة زائدة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي؛ فالحساسية العالية للمناخ تعني مزيدًا من الاحترار مقابل زيادة معينة في غاز ثاني أكسيد الكربون، والعكس صحيح، إنها تشكل أحد أوجه الشك المتعلقة بآثار الانبعاثات المستقبلية، لكن هذا التقرير قد ضيَّق نطاقه بشكلٍ كبير، مقارنةً بالتقارير السابقة.

يمكن أن يُسهم علم المناخ القديم في هذا النقاش الدائر حول حساسية المناخ من خلال دراسة استجابة درجة الحرارة للتغيرات السابقة التي حدثت في نسب غاز ثاني أكسيد الكربون، استنادًا إلى بياناتٍ تصف الظروف المناخية السابقة للكوكب.

فعلى سبيل المثال، بذلت زميلتي جيسيكا تيرني بجامعة أريزونا جهدًا كبيرًا لتجميع قاعدة بيانات عالمية لدرجات الحرارة في الفترة الجليدية الأخيرة، أي منذ قرابة 20 ألف عام، واستخدمت تلك القاعدة في التوصل إلى تقديراتٍ للتبريد العالمي خلال تلك الفترة، ونحن نعرف ثاني أكسيد الكربون جيدًا، لذلك تمكنت هي وزملاؤها من حساب تقديراتٍ لحساسية المناخ استنادًا إلى هذين الرقمين.

يتوقع التقرير أننا حتى لو نجحنا في الحد من الاحترار بحيث يظل مقتصرًا على 1.5 درجة مئوية، فإن مستوى سطح البحر سيستمر في الارتفاع وصولًا إلى عام 2050، فما السبب وراء ذلك؟

هذه الحرارة التي زوَّدنا بها الغلاف الجوي حتى الآن تغلغلت بالفعل في الجزء الداخلي من الطبقات الجليدية، فالتكيف مع الحرارة الزائدة التي تسبَّبنا فيها -وما زلنا- سيترك بصمته على الذوبان البطيء والمتواصل لهذه الطبقات الجليدية الضخمة، عدةَ قرون، وربما آلافًا من السنين قادمة.

الجيد في الأمر أننا إذا وضعنا قوانين تحد من انبعاثات غازات الدفيئة بصورة عميقة ومستدامة في الوقت الحالي، فسنجني ثمار ذلك في وقتٍ لاحق من هذا القرن، والتي ستأتي في صورة انخفاضٍ في معدلات ارتفاع مستوى سطح البحر، أين نريد أن يستقر مستوى سطح البحر؟ وهل نريد منح أكبر قدرٍ ممكن من الوقت للأجيال القادمة كيف تتكيف؟ تلك هي الأسئلة التي تواجهنا في العَقد الحالي والعَقد الذي يليه.

هل هناك أي عمليات أخرى الآن مقيَّدة بشكل أساسي بنطاقات زمنية طويلة؟

بصفةٍ عامة، سيستغرق التعافي من آثار الاحترار على المحيطات وقتًا أطول، وأحد تلك الآثار المهمة هو تحمُّض المحيطات، وهو الأثر الذي يُخلفه تراكم الكربون في المحيطات، لقد تمكَّنَّا بالفعل من تغيير كيمياء الجزء العلوي من المحيطات حتى 2000 متر، أي ما يقرب من نصف العمق في بعض المناطق، لن نتخلص من الكربون في لمح البصر دفعةً واحدة، لكنه سيخرج شيئًا فشيئًا، مع تعرُّض سطح هذه المياه التي تحتوي على قدرٍ عالٍ من ثاني أكسيد الكربون، إلى غلافٍ جوي فيه قدر أقل من ثاني أكسيد الكربون، علينا أن ننتظر حدوث هذا التبادل لأنه يتعين جلب المياه العميقة إلى السطح مرةً أخرى، ستكون عمليةً بطيئةً نسبيًّا.

هذا لا يتعارض مع إحدى الرسائل الجوهرية التي حملها التقرير، وهي أنه عندما تنعدم الانبعاثات تمامًا، سنبدأ في معايشة استقرار شبه فوري وملموس في ظاهرة الاحترار البيئي نفسها إن لم يكن حتى انعكاسًا في المسار الذي تسلكه؛ فربما يكون العديد من الآثار المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بدرجات حرارة سطح الأرض، مثل موجات الحرارة، من أوائل الظواهر التي تستجيب لهذه المحاولات.

كيف يمكن أن تستمر أبحاث المناخ القديم في تعزيز فهمنا لتغير المناخ؟

إن دراسة سجلات المناخ القديم يمكن أن تساعدنا في فهم الكيفية التي تطورت بها مجموعات الظواهر الجوية المتطرفة أو دورات المناخ في الماضي القريب، وإلى أي مدى يمكن أن يعتريها التغيير استجابةً للتغير المناخي، بات الارتباطُ الوثيق بين هذه النُّهُج ومستقبل مناخنا يزداد وضوحًا، ولذا يمكننا الاسترشاد بأرشيفات الظواهر الجوية المتطرفة التي حدثت في الماضي -سواء كانت فترات الجفاف، أو الأمطار الغزيرة، أو الأعاصير المدارية- أو دورات المناخ الطبيعية لفهم المزيد والمزيد عن تقلباتها الطبيعية على مدار القرون بل والألفيات الماضية، أحد الأمثلة على ذلك ظاهرة «إلنينيو»، ويُقصَد بها المراحل الدافئة لدورةٍ مناخيةٍ طبيعيةٍ تحدث في المحيط الهادئ الاستوائي، على مدار سبعين سنة مضت، لم نشهد في واقع الأمر حدوث تلك الظاهرة سوى حفنة من المرات (10 مراتٍ تقريبًا)، بيْد أنه من خلال فحص أرشيف المناخ القديم لظاهرة «إلنينيو»، يمكننا تحليل المئات منها على مدار الألفيات الماضية، في العام الفائت، نشرنا بحثًا يوثق زيادة في شدة ظاهرة «إلنينيو» خلال العقود الأخيرة، مقارنةً بعصور ما قبل الصناعة.

هل ثمة رؤىً موثوقة تدفعنا للتفاؤل بشأن المناخ هذه الأيام؟

أشعر بشيءٍ من الارتياح لإدراكي أن بقية العالم يمكن أن يصل إلى مستوى الوعي الذي تشكَّل لديَّ خلال فترة ما بين خمس إلى ثماني سنواتٍ مضت؛ فعندما يتعين عليك مواكبة العلم من أجل وظيفتك اليومية، فأنت تستوعبه بشكلٍ آني، الآن، يبدو الأمر وكأنني تخففتُ من حملٍ ما، فعلى الأقل يعرف بقيةُ العالم ما أفعله في اللحظة الراهنة، هذا مصدر ارتياحٌ كبير.

آمل أن يُحفِّز الوعي الجديد نوع الإجراء اللازم للمُضي قُدمًا في طريق خفض الانبعاثات بشكلٍ عميقٍ ومستدامٍ، ما من شأنه أن يحد من الاحترار، ويُفسح المجال للتبريد في وقتٍ لاحق من القرن الحالي، هذا هو الهدف الذي أناضل من أجل تحقيقه.