عندما بدأت روسيا غزوها العسكري الشامل لأوكرانيا يوم الخميس، انهمك العالم بأسره في مراقبة المشهد، لكن جمهورًا آخر، أصغر بكثير، كان يُراقب الأحداث هو الآخر، إنهم أعضاء الطاقم السبعة على متن محطة الفضاء الدولية (ISS)، في مدارها الذي يعلو الفوضى العارمة على الأرض بمئات الكيلومترات.

ظلت محطة الفضاء الدولية بمنزلة بارقة أمل في تحقيق التعاون الدولي السلمي على مدار أكثر من عقدين من العمليات المتواصلة؛ فهذه المحطة الفضائية الضخمة هي نتاج شراكةٍ استثنائيةٍ بين خمس وكالات فضاء (منها وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» NASA ووكالة الفضاء الوطنية الروسية «روسكوزموس» Roscosmos) تُمثِّل 15 دولةً مشاركة، وعلى مر السنين، ازدهرت الدراسات العلمية والصداقات الدولية على متن محطة الفضاء الدولية، ما حدا بالبعض إلى المطالبة بمنح المشروع جائزة نوبل للسلام.

لكن البعض يخشون من أن يُمثِّل الهجوم الروسي الأخير تهديدًا لهذا التعاون المثمر؛ ففي زمنٍ يشهد اضطراباتٍ جيوسياسيةً على كوكب الأرض، تُرى ماذا سيكون مصيرُ محطة الفضاء الدولية؟

وفقًا لرواد فضاءٍ سابقين بمحطة الفضاء الدولية، لا يُلتفَت كثيرًا إلى جنسية الشخص، مقارنةً بالأمور العملية الأخرى التي تتعلق بالمعيشة والعمل في الفضاء، يقول ليروي تشياو، الذي شارك في البعثة العاشرة إلى محطة الفضاء الدولية في عام 2004: "في أثناء التدريب، نقضي الكثير من الوقت معًا، وتنشأ بيننا صداقاتٌ عميقة".

ريك ماستراكيو -مهندس وكالة الفضاء الأمريكية المتقاعد الذي شارك في البعثتين الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين إلى محطة الفضاء الدولية- يشارك تشياو رأيه؛ إذ يقول: "انضمامك إلى المحطة من أجل أداء وظيفةٍ مُحدَّدة للغاية، وتحظى بتدريبٍ جيد"، وبعيدًا عن موطنك أو آرائك السياسية، "تكون بحاجةٍ إلى الانسجام مع زملائك بوصفك جزءًا من الفريق".

ويقول تشياو إن الوقت الذي قضاه مع زملائه من رواد الفضاء الروس منحه فكرةً عن المنظور الروسي الجيوسياسي؛ فمن وجهة النظر الروسية، ربما يُمثِّل احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) تهديدًا خطيرًا للأمن القومي الروسي، ويتساءل تشياو: كيف كانت ستصبح ردةُ فعل الولايات المتحدة لو أن المكسيك وكندا انضمتا إلى حلف وارسو قبل انهيار الاتحاد السوفيتي؟ ويُجيب بقوله: "كنا سنصبح في حالةٍ من التوتر الشديد، لذا أتفهم دوافع روسيا"، غير أنه يُعارض بقوةٍ الغزو الروسي لأوكرانيا.

احتدمت التوترات بين روسيا والولايات المتحدة على نحوٍ مفاجئ عندما كان ماستراكيو على متن محطة الفضاء الدولية؛ ففي مارس 2014، بعد مرور مدة قصيرة من إقامته المدارية المؤقتة، ضمَّت روسيا شبه جزيرة القِرم، في تحركٍ سياسيٍّ أدانته الولايات المتحدة، معتبرةً إياه "انتهاكًا للقانون الدولي".

يقول ماستراكيو: "لن أقول إن ما حدث عكَّر صفو الأجواء، لكنه أثار نقاشًا بيننا"، ويسترجع ماستراكيو حالة الاغتمام الشديد التي أصابت أحد أفراد الطاقم الروس بالأخص، لأنه كان قلقًا فيما يبدو على عائلته التي تسكُن في منطقةٍ قريبة من أوكرانيا، يُذكِّر هذا الموقف ماستراكيو بأنه لا توجد ثقافةٌ تتبنى موقفًا سياسيًّا أحاديًّا، ويقول: "صحيحٌ أنك تُمثِّل بلدك في وكالات الفضاء، لكنك لا تُمثِّلها سياسيًّا، وقد تشعر بشيءٍ من عدم الارتياح إن بدر من بلدك أفعالٌ قد لا تفخر بها".

حتى الآن، تتَّبع الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو سياسة فرض عقوباتٍ انتقامية على اقتصاد روسيا وقيادتها السياسية، وقد أشار الرئيس الأمريكي جو بايدن في معرض تسليطه الضوء على سياسة الولايات المتحدة ضمن خطابٍ ألقاه في البيت الأبيض إلى أن العقوبات "ستُؤثر على قطاع الفضاء الروسي، بما يشمل برنامج الفضاء الروسي".

لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستُؤثر هذه العقوبات بالتحديد على العمل على محطة الفضاء الدولية، تَجدُر الإشارة إلى أن أفراد الطاقم السبعة الموجودين حاليًّا على متن المحطة هم أربعةُ رواد فضاء من وكالة الفضاء الأمريكية، ورائد فضاء ألماني من وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، ورائدا فضاءٍ روسيان، وبعيدًا عن مشاعرهم الشخصية، من المفترض أن يواصل الطاقم العمليات المعتادة دون تغيير، أو هكذا هي الخطة على الأقل، حسبما تقول وكالة الفضاء الأمريكية.

فقد كتبت الوكالة في بيانٍ عبر البريد الإلكتروني تقول: "ستستمر وكالة الفضاء الأمريكية في التعاون مع كل شركائنا الدوليين، بما يشمل وكالة الفضاء الروسية، في العمليات الآمنة المستمرة الخاصة بمحطة الفضاء الدولية، والإجراءاتُ الجديدة للحد من حركة التصدير ستستمر في السماح بالتعاون المدني في مجال الفضاء بين الولايات المتحدة وروسيا".

ولم تُدلِ وكالة الفضاء الروسية بأي تعليقٍ عندما طُلب منها ذلك، غير أن المدير العام للوكالة ديميتري روجوزين سخر من العقوبات واصفًا إياها بالطائشة، وذلك في سلسلة من التغريدات نشرها عصر الخميس، وأضاف أن "[الولايات المتحدة] إن حظرت التعاون معنا، فمَن سيُنقذ محطة الفضاء الدولية من السقوط الحر من مدارها على الولايات المتحدة أو أوروبا؟"، ورغم التهديد المبطن في تصريحات روجوزين، فإنها تُبرز -بطريقةٍ ما أو بأخرى- حقائق بسيطة: سفينة الفضاء الروسية المخصصة للإمدادات «بروجرس» Progress هي التي تتولى حاليًّا مسؤولية رفع محطة الفضاء بصفةٍ دورية للحفاظ على ارتفاعها الذي يقل بمرور الوقت بفعل مقاومة الهواء في الغلاف الجوي. (سفينة الشحن الفضائية «سيجنوس» Cygnus التي بنتها الولايات المتحدة، والراسية حاليًّا في المحطة، ستُجري عملية رفع تجريبية في أبريل لإثبات مدى قدرتها على الحفاظ على ارتفاع المحطة بشكلٍ مستقل وفق ما هو مُخطَّطٌ له).

هذه التعليقات ليست غريبةً عن شخصية روجوزين، الذي عيَّنه الرئيس الروسي بوتين، والذي يصفه آسيف صِدِّيقي -المؤرخ بجامعة فوردهام والمُتخصِّص في أنشطة الفضاء الروسية- بقوله: "إن شخصيته غريبة الأطوار نوعًا ما".

فعندما فرضت الولايات المتحدة في وقتٍ سابق حزمةً من العقوبات على روسيا بعد ضم الأخيرة شبه جزيرة القِرم، رد روجوزين ساخرًا بقوله: إن رواد الفضاء الأمريكيين يمكنهم الصعود إلى محطة الفضاء الدولية "باستعمال مِنطَّة"، (في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تعتمد في إرسال طواقمها إلى محطة الفضاء الدولية اعتمادًا كليًّا على سفينة الفضاء الروسية «سويوز» Soyuz، أما في الوقت الحالي، فتنقل صواريخ «سبيس إكس» SpaceX ومركباتها الطواقم الأمريكية، ومن المقرر أن تُتيح شركة «بوينج» Boeing قريبًا خيارَ إطلاق محليًّا إضافيًّا)، وقد أثار روجوزين الغضب مجددًا العام الماضي، عندما أدلى بتصريحاتٍ تُوحي ضمنًا بأن سيرينا أونون-تشانسلور، رائدة الفضاء بوكالة الفضاء الأمريكية، أحدثت ثقبًا صغيرًا في إحدى مركبات «سويوز» بقصد تخريبها في عام 2018، وفي مقالٍ نشرته الوكالة الإخبارية المملوكة للحكومة الروسية «تاس» TASS العام الماضي، أثار مسؤول بقطاع الفضاء الروسي الغضب من جديد عندما أشار بأصابع الاتهام إلى رائدة الفضاء بوكالة الفضاء الأمريكية، سيرينا أونون تشانسلور، بإحداثها ثقبًا صغيرًا -على حد زعمه- في إحدى مركبات «سويوز» لتتمكن من العودة إلى الأرض مبكرًا، وقالت وكالة الفضاء الأمريكية إن هذه الادعاءات عاريةٌ تمامًا عن الصحة، وأنها تساند أونون-تشانسلور.

ورغم أن فترات التوتر هذه أثَّرت سلبًا على العلاقات الإدارية بين وكالة الفضاء الروسية ووكالة الفضاء الأمريكية في السابق، فإنها لم تكن قَط حجر عثرة في مسيرة العمل على متن محطة الفضاء الدولية، ففي ذروة الصراع على شبه جزيرة القِرم، على سبيل المثال، احتوت مذكرة داخلية مسربة على إيعازٍ للموظفين بإيقاف التواصل مع زملائهم الروس، يقول صِدِّيقي: "لكن تلك المذكرة حَوَت فقرةً صغيرة تنص على أن العمليات الفعلية لمحطة الفضاء الدولية ستستمر على النحو المعتاد"، ويظن صِدِّيقي أن مذكرةً مشابهة ربما يجري تداولها حاليًّا.

وحتى إن قرر أحد الشركاء الكبار بمحطة الفضاء الدولية الانسحاب من المشروع، فإن عملية الانسحاب ستستغرق شهورًا وربما أعوامًا لفك الارتباط بالكامل، يقول صِدِّيقي: "الشراكة لن تنتهي بضغطة زر"، لكن إذا لم يتغير مسار الوضع السياسي الحالي، لا يتوقع صِدِّيقي مستقبلًا للتعاون الأمريكي الروسي في مجال الفضاء بعد خروج محطة الفضاء الدولية من الخدمة في عام 2031 وفق الخطة الحالية، وتتطلع وكالة الفضاء الأمريكية بالفعل إلى برنامجها الطموح «أرتميس» Artemis، الذي سيسعى للدخول في شراكةٍ مع وكالات الفضاء الأوروبية واليابانية والكندية إلى بناء مركزٍ قمري مداري يدعم جهود العودة طويلة المدى لرواد الفضاء إلى سطح القمر، وفي الوقت ذاته، تعهدت وكالة الفضاء الروسية بمشاركة الصين في بناء قاعدة قمرية خاصة بهما، يبدو أن الشقاق الدولي في مجال الفضاء سيتفاقم، والتعاون الذي كانت محطة الفضاء الدولية خير شاهدٍ عليه سيندثر.

ويقول صِدِّيقي : "من الواضح أن هذه العلاقة ستنقطع في مرحلةٍ معينة، ولا أرى احتمالًا لتعافيها".