في سبتمبر 2020، تعرّض ابن جولدا بارتون -البالغ من العمر 13 عامًا والمصاب بالتوحّد- لنوبة قلق حادّ في أول يوم تعود فيه الأم للعمل بعد إجازة استمرت عدة أشهر، اتصلت بارتون برقم الطوارئ وطلبت المساعدة، لكن فور وصول شرطة مدينة سولت ليك إلى المنزل، ركض الفتى بعيدًا، وهو ما دفع أحد الضباط الذين يطاردونه إلى إطلاق النار عليه إحدى عشرة مرة، مما تسبّب له في إصابات بالغة، وفقًا للصفحة التي أنشأتها الأسرة على موقع «جو فاند مي» GoFundMe لجمع التبرعات من أجل تغطية نفقات علاجه الطبية، أُجريت للفتى في ربيع عام 2021 جراحة معقدة لزراعة الأعصاب، وهي واحدة من عدة إجراءات طبية خضع لها وعانى بسببها آلامًا مريرة.

تُعدّ هذه القصة مثالًا "صادمًا جدًّا" لما يمكن أن يحدث عندما يكون ضباط الشرطة هم المستجيبون الأوائل في أزمة تتعلق بالصحة العقلية، وفق ما كتب الباحثان توماس دي وجيمس باين -من جامعة ستانفورد- في دراسة تصف نهجًا آخر ناجحًا في التعامل مع مثل هذه الأزمات، وهو الاستعانة بمستجيبين من أخصائيي الرعاية الصحية المدرّبين بدلًا من ضباط الشرطة.

تُظهر نتائج الدراسة -التي نُشرت في مجلة «ساينس أدفانسيز» Science Advances- أن نهج "الاستجابة المجتمعية" الذي اتُّبع ضمن برنامج تجريبي مدته ستة أشهر في مدينة دنفر أدى إلى انخفاض حالات الإبلاغ عن الجرائم متدنية الخطورة التي استهدفها البرنامج بنسبة 34%، ومنع حدوث ما يقرب من 1400 جريمة جنائية، وعلى صعيد الميزانية، تشير الدراسة إلى أن تكلفة اتباع النهج التقليدي بأن تكون الاستجابة الأولى في هذه الحوادث لضباط الشرطة تعادل تكلفة نهج الاستجابة المجتمعية أربع مرات.

يقول توماس دي، وهو زميل أول في معهد ستانفورد لأبحاث السياسة الاقتصادية: "قد نكون أمام فرصة واعدة بالنظر إلى السياق السياسي الأعم، وينبغي أن يحظى هذا النوع من الإصلاحات بالقبول لدى مختلِف الأطياف، فإذا كنت من مؤيدي سياسة دعم رجال الشرطة، فينبغي أن تتحمس لهذا النهج؛ لأن العديد من رجال الشرطة يؤكدون أنهم لا يريدون التعامل مع نداءات الخدمة التي تنطوي على استجابة مجتمعية"، وأضاف أن إتاحة الفرصة لأجهزة الشرطة كي يركزوا على تدريباتهم وتطوير كفاءاتهم "قد تحسّن من احتفاظها بأفضل عناصرها".

ويقول دي: "من المفترض أن يروق هذا النهج لمَن ينادون بوقف تمويل الشرطة أيضًا؛ لأنه سيحدُّ من الأثر التشغيلي لجهاز الشرطة في المجتمع، وهو ما يمكن أن يكون مسوِّغًا للمطالبة بتخفيض ميزانيات الشرطة"،

ويشير أليكس فيتالي -أستاذ علم الاجتماع في كلية بروكلين ومركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك، الذي لم يشارك في الدراسة- إلى أن هذه النوعية من البرامج تمثل خطوةً نحو تقديم حلول فعلية لما يُطلق عليه "الباب الدوّار" فيما يتعلق بالجرائم متدنية الخطورة، يقول فيتالي: "إذا استطعنا التحكم في حالة المصابين بالأمراض العقلية، فسيقلل ذلك من تورُّطهم في سلوكيات مؤذية أخرى، وهو ما يعود بالنفع على الجميع".

وبرنامج «الاستجابة بمساعدة فرق الدعم» STAR الذي يُطبَّق تحت مظلة برنامج دنفر التجريبي هو واحدٌ من ثلاثة برامج إصلاحية تستهدف الاستجابة للجرائم متدنية الخطورة، التي قد تنطوي على أزمات تتعلق بالصحة العقلية، وهناك برنامجان آخران يستهدفان رجال الشرطة: أحدهما يدربهم على الاستجابة في أوقات الأزمات، والآخر عبارة عن نموذج استجابة مشترك يجمع بين ضباط الشرطة وأخصائيي الصحة العقلية، ويقوم برنامج STAR -الذي صُمم على غرار برنامج قديم عُرف باسم «المساعدة في الشارع في أوقات الأزمات» CAHOOTS وبدأ في مدينة يوجين بولاية أوريغون- على الاستغناء التام عن تدخُّل رجال الشرطة، إذ يعتمد على استخدام مركبة متنقلة للاستجابة للأزمات، فيها طبيب متخصص في الصحة العقلية ومسعف، وكلاهما مدرَّبٌ خصوصًا للبرنامج.

وخلال البرنامج التجريبي الذي استمر ستة أشهر، استجاب فريق STAR في ثمانية مراكز شرطة في مدينة دنفر للاتصالات ذات الصلة بالجرائم متدنية الخطورة، مثل حوادث السُّكْر، والتحقُّق من السلامة، والتعدِّي على ممتلكات الغير، ما دام أنه لا يوجد دليل على استخدام أسلحة أو اللجوء إلى التهديد أو العنف. 

استجاب الفريق لنحو 748 حادثةً خلال تلك الفترة، وفي ثلث هذه الحالات تقريبًا، كانت الشرطة في موقع الحادثة هي التي تطلب المساعدة من الفريق، أما في الثلثين الآخرين، فقد كان المشاركون في فريق STAR هم المستجيبون الأوائل ولم يكونوا محتاجين إلى طلب الدعم من الشرطة في أيٍّ من تلك الحالات.

وبالمقارنة بمعدلات الجرائم الجنائية في مراكز الشرطة نفسها قبل تطبيق البرنامج التجريبي وفي المراكز التي لم تطبق البرنامج خلال فترة الأشهر الستة نفسها، يشير الباحثان إلى انخفاض الجرائم متدنية الخطورة بمعدل 1376 جريمة خلال البرنامج التجريبي.

ما لم يتغير هو عدد الجرائم مرتفعة الخطورة، لكن أشار بعض خبراء العدالة الجنائية إلى احتمالية وجود رابط بين انخفاض معدلات الجريمة متدنية الخطورة وانخفاض معدلات الجرائم الأعلى خطورة، فيما يُعرف بنظرية "النوافذ المحطّمة"، وفي أثناء تطبيق البرنامج التجريبي، لم يرتبط استخدام فريق STAR بدلًا من الاستجابة الشُّرطية التقليدية للحوادث منخفضة المستوى بزيادة الجرائم الأعلى خطورةً أو انخفاضها.

ويقول باين، وهو باحث مشارك وعالم اجتماع في "مركز جون دبليو جاردنر للشباب ومجتمعاتهم" في جامعة ستانفورد: "يبدو أن هذه النوعية من نماذج الاستجابة المجتمعية التي تستعين بأخصائيي الصحة العقلية بدلًا من ضباط الشرطة في حالات الحوادث منخفضة الخطورة تُجدي نفعًا"، إذ تكشف النتائج عن أول "الأدلة الموثوقة والمقنعة التي تمنحنا قدرًا من الثقة" بفاعلية هذه البرامج.

علاوةً على ذلك، قد تنخفض تكاليف تقديم المساعدة عند الاستعانة بالعاملين في المجال الصحي بدلًا من ضباط الشرطة، إذ قدّر الباحثان أن البرنامج الذي بلغت تكلفته 208,141 دولارات قد كلّف مدينة دنفر حوالي 151 دولارًا لكل حادثة، في المقابل، كانت هذه التكلفة ستصل إلى 646 دولارًا، أي أكثر ارتفاعًا أربع مرات، لو أن المستجيبين لهذه الحوادث قد مُوِّلوا عبر منظومة العدالة الجنائية.

يقول فيتالي: "من الواضح أن الإستراتيجيات التي لا تنطوي على مشاركة رجال الشرطة ليست أفضل في تقليل معدلات الجريمة فحسب، لكنها في الوقت نفسه أقل تكلفةً وتخلو من التبعات الجانبية التي تصاحب الاستجابة الشُّرطية"، ومن بين هذه التبعات الجانبية المحتملة لوجود الشرطة في مكان الحادثة الزيارات المكلِّفة للمستشفى والاعتقال، ويضيف فيتالي: "عادةً لا يمتلك رجال الشرطة مثل هذه القدرة على حل تلك الأزمات في الميدان، لذا تقتصر خياراتهم على غرف الطوارئ والاعتقالات، وهما خياران مكلفان للغاية ولا يعودان بأي نفع على الأشخاص الذين يتعرضون لهما".

وكما يشير دي، فهذا النهج "لا يوفر التكاليف فحسب، لكن الواجب الإنساني يفرض تقديم الرعاية الصحية لمَن يمرّ بأزمة صحية".

ويشير فيتالي إلى أن نتائج البرنامج لاقت استحسان المسؤولين في مدينة دنفر، ما دفعهم إلى زيادة التمويل المخصص له، في حين يضيف باين أن نموذج الاستجابة المشتركة لا يزال يخضع لمزيد من التجريب والاختبار الرسمي في مقاطعة سان ماتيو بولاية كاليفورنيا، حيث تُقارَن النتائج في المدن التي تطبق البرنامج والتي لا تطبقه.

يقول دي: "من المهم أن نعرف ما إذا كان هذا النموذج سيؤتي ثماره على نطاق واسع في مدينة دنفر وما إذا كان بإمكان المدن الأخرى تكرار هذه التجربة الناجحة، لكن من الواضح أن هناك فرصًا واعدةً أمام هذه النماذج المبتكرة".