ربما تكون المفصليات ثلاثية الفصوص هي أنجح مجموعة حيوانات عاشت فوق الأرض على الإطلاق، هذه المفصليات المُدَرَّعَة، التي تشبه الحشرات المُتَكَورة، والتي تحمل هذا الاسم نظرًا لجسمها المميز الذي يتكوّن من ثلاثة فصوص، هي من أوائل الحيوانات صلبة الجسم التي استعمرت الأرض، إذ ظهرَت قبل نحو 520 مليون عام، وهيمنَتْ على السجلِّ الأحفوري للبحارِ القديمة على امتداد قرابة 300 مليون عام بعد ذلك، وحتى الآن، اكتشف علماءُ البيولوجيا القديمةِ عشرين ألف نوعٍ مذهلٍ من هذه الحيوانات، يشتَمِلُ على كلّ تكوينٍ عجيبٍ يمكن للمرء تخيُّله، بدايةً من الصفائح وحتى الأشواك والقرون، لدرجة أن راسل بيكنيل -عالِم البيولوجيا القديمة في جامعة نيو إنغلاند في أستراليا- يصف الأمرَ قائلًا: "وكأن هذه الكائنات تقول للتطوّر: توقف عمّا تفعله! أنت مليء بالأخطاء".

ورغم وفرة ثلاثيات الفصوص في العالم، لم يتمكن أحدٌ حتى الآن من معرفة الطريقة التي تتكاثر بها هذه الكائنات، لكن الأمر على وشك التغيّر؛ ففي أحفورةٍ شديدة التميّز، وجد العلماء أحد الأمثلة الأولى على بنيةٍ تشريحيةٍ جنسيةٍ في السجل الأحفوري: زوجان صغيران من النواتئ، تتيح لذكور ثلاثيات الفصوص إمساك الإناث عن قرب في أثناء التزاوج.

تَصعب دراسة التكاثر في الحيوانات المنقرضة، ويزيد الأمر صعوبةً في حالة اللافقاريات، وتصف عالِمة الحفريات من جامعة هارفارد، سارة لوسو، وهي أحد المؤلفين المشاركين في الدراسة الأخيرة المنشورة في دوريّة «جيولوجي» Geology: "إن فهم السلوك التكاثري أمرٌ صعبٌ لأن السجل الأحفوري لا يحتفظ بدلائل عليه من الأصل"، تُبنى الأجزاء الهشة في جسم ثلاثيات الفصوص -مثل الأرجل وقرون الاستشعار والبنى التناسلية- من أنسجةٍ رخوةٍ نادرًا ما تتحجر، ويمكن لعلماء البيولوجيا القديمة استنتاج وجود الأرجل بناءً على ما يعثرون عليه من جيوب في الأصداف الخارجية لبعض الأنواع، وفي الانطباعات التي تتركها، أما العثور على الأعضاء التناسلية، فقد كان صعبًا لدرجة محبطة.

يكمن سببٌ آخر لصعوبة هذا النوع من الدراسات في التحيُّز العلمي، افترضَ بعض الباحثين، في السابق، أن طريقة تكاثر ثلاثيات الفصوص تشبه إستراتيجيات تكاثر الثدييات، ما دفعهم للبحث عن بنى مثل «قضيب ثلاثية الفصوص» (الذي لم يُعْثَرْ عليه)، ويقول توماس هيجنا، عالِم البيولوجيا القديمة عند الكائنات اللافقارية، والذي يعمل في جامعة ولاية نيويورك في فريدونيا، ولم يشارك في البحث الجديد: "هذه الفكرة غير مناسبة".

لكن ذلك كله تغيّر حينما ألقَتْ لوسو وزملاؤها نظرةً فاحصةً على أحفورةٍ لإحدى ثلاثيات الفصوص، يبلغ عمرها 508 ملايين عام، عُثر عليها بين رواسب بُرجِس شيل الشهيرة في كولومبيا البريطانية، نوع الحفرية هو Olenoides serratus، ويعتبر أشهر المفصليات القديمة، ويُمثِّل العديد من أحافير بُرجِس شيل، بل ظهر اسم الجنس في لعبة البطاقات «يوغي يو» Yu-Gi-Oh الخيالية.

لكنّ وضعية عينة لوسو كانت غير اعتياديّةٍ؛ إذ تشكّلت الأحفورة مستلقيةً على جنبها بدلًا من ظهرها أو بطنها مثل حال معظم أحافير الـOlenoides، وإضافةً إلى ذلك، امتدّت نواتِئُها محفوظةً بتفاصيل مذهلةٍ، بما في ذلك المفاصل، وبين هذه الهياكل، وجد الباحثون مجموعتين من النواتئ القصيرة والقابضة التي بدت بصورة كبيرة مثل البنى التكاثرية المُسماة بالحاضنات.

الحاضنات بنى تكاثريةٌ تشيع بدرجةٍ ما في الأنواع البحرية، وتسمحُ لذكور الحيوانات بالتمسّك بشريكاتهم في أثناء قذف الحيوانات المنوية تحت الماء، توجد الحاضنات في الجمبري والحشرات المائية وحتى في أسماك القرش، والأهم من ذلك أنها توجد عند نظراءِ ثلاثيات الفصوص الحديثة، سرطان حدوة الحصان.

لا يوجد ارتباط وثيق بين سرطانات حدوة الحصان وثلاثيات الفصوص، لكن العلماء يعتقدون أن مفصليات الأرجل القديمة هذه سكنت مثوىً يشبه المكان الذي تسكنه نظيراتها الحديثة، إذ كانت تندفع داخل قيعان المحيط الرملية، مثل روبوتات رومبا المائية، وتتغذى على الفتات الذي ينجرف إلى قاع البحر، ويقول بيكنيل، الذي لم يشارك في الدراسة: "في واقع الأمر، كانت هناك أنواعٌ معينةٌ من ثلاثيات الفصوص تشبه بصورةٍ إجماليةٍ سرطان حدوة الحصان"، ولهذا السبب، فغالبًا ما يُستخدَمُ سرطانُ حدوة الحصان قالبًا لنمذجة دورة حياة ثلاثية الفصوص وسلوكها.

شكل الحاضنات -الموجودة في سرطان حدوة الحصان- ساعد فريقَ لوسو على تأكيد أن نواتئ Olenoides كانت تؤدي دورًا أكبر من مجرد أقدامٍ مشوهةٍ؛ إذ تشير هذه الحاضنات إلى الاختلاف في شكل أجسام ذكور ثلاثيات الفصوص مقارنةً بإناثها، في بعض الأنواع، ويقول بيكنيل: "هذه الأحفورة المُكتشفة، والتي حسمت المسألة بصورة كبيرة، أتاحت لنا تأكيد هذه النظريات التي تتناول مثنوية الشكل الجنسي، ما يجعلها إضافةً رائعةً وذات أهميةٍ جوهرية".

لكن لوسو تُنبّه إلى أنّ هذه الصفة ربما لا تكون موجودةً في الأنواع كلها، إذ تقول: "إن العثور على الحاضنات في نوع Olenoides serratus لا يعني أن ثلاثيات الفصوص كلها تَستخدم هذه الطريقة في التكاثر"، ومع ذلك، تبقى هذه الدراسة مَعلمًا مهمًّا في علم البيولوجيا القديمة المعني بثلاثيات الفصوص، كما أنها ستساعدنا في توجيه الأبحاث المستقبلية؛ لما تشير إليه من احتمال يقول إن الحيوانات قد طوّرت مجموعةً متنوعةً من الأطراف المتخصصة، أكثر مما كان يُعتقد في السابق، وأن ذلك قد حدث في وقتٍ مبكرٍ من تاريخها التطوري، ويقول هيجنا: "يدلّ هذا على الأسس المرنة التي تعتمد عليها هذه العمليات، ما نراه أمامنا هو أداةٌ رائعةٌ متعددة الاستخدامات".