حققت يدٌ روبوتية ليِّنة إنجازًا تاريخيًّا حين اجتازت المستوى الأول من اللعبة الإلكترونية سوبر ماريو بروس Super Mario Bros، ومع أن نقراتها السريعة على الأزرار ولوحة الاتجاهات في وحدة تحكم جهاز نينتندو إنترتينمنت سيستم Nintendo Entertainment System تُعد اختبارًا طريفًا لأداء هذه الآلة ثلاثية الأصابع، فإن الطفرة الحقيقية لا تتمثل فيما تقوم به، بل في الكيفية التي صُنعت بها.

لقد طُبعت هذه اليد الروبوتية وروبوتان آخرين ليِّنان صُمما على شكل سلحفاة ووَرَدَ وصفُهما في الورقة البحثية نفسها المنشورة مؤخرًا في دورية Science Advances بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، في عمليةٍ واحدة لم تستغرق سوى فترة تتراوح بين ثلاث ساعات إلى ثماني، يقول ريان سوكول، المؤلف المشارك للورقة البحثية، والأستاذ المساعد بقسم الهندسة الميكانيكية بجامعة ميريلاند: "إن كلًّا من هذه الروبوتات الواردة بالورقة طُبع بالكامل دون حاجة إلى تجميع".

سيسهِّل الإنتاج المُؤلف من خطوة واحدة على الباحثين تطوير روبوتات لينة أكثر تعقيدًا، ويُمكِّن التكوين الليِّن هذه الروبوتات من التعامل مع المواد الرقيقة، كالأنسجة بجسم الإنسان، دون إحداث التلف الذي قد تتسبب فيه الآلات الأشد صلابةً، وهو ما يؤهلها للاضطلاع بمهماتٍ من قبيل إجراء العمليات الجراحية وعمليات البحث والإنقاذ، بل وفرز الفاكهة وغير ذلك من المواد سهلة الإتلاف، لكن حتى الآن تحتوي غالبية هذه الروبوتات على بعض المكونات الصلبة، إذ لم يتمكن العلماء من صنع روبوت كامل من مواد لينة قبل عام 2016، فلكي يباشر هذا الروبوت اللين الأخطبوطي الشكل عمله، كان على مصنِّعيه التخلي عن الدوائر الإلكترونية الصلبة وإحلال دوائر من الموائع الدقيقة محلها، في هذه الدوائر، يتحرك الماء أو الهواء في قنوات متناهية الصغر، ويُعدل تدفقه عبر نظائر مصنَّعة من سوائل كي تُوجهه نحو مكونات إلكترونية مثل الترانزيستورات والصمامات الثنائية.

في الدراسة الحديثة التي نتناولها هنا، مضى الباحثون خطوةً إلى الأمام في تطوير هذه التقنية، تقول جينفير لويس، أستاذة الهندسة بجامعة هارفارد، والتي اشتركت في تأليف الورقة البحثية التي نُشرت عام 2016 لكنها لم تشارك في مشروع جامعة ميريلاند: "لقد تمكّنوا من ابتكار دوائر من الموائع الدقيقة أشد تعقيدًا"؛ ففي حالة اليد الروبوتية التي اجتازت المستوى الأول من لعبة ماريو على سبيل المثال، سمحت الدائرة لمصدر وحيد من الموائع بإرسال إشارات مختلفة تدفع كل أصبع إلى الحركة بطريقة مستقلة عبر تنويع درجة الضغط المستخدم في العملية.

طباعة اليد الروبوتية

لكن جعل الروبوتات اللينة أعلى دقةً وأكثر تطورًا يزيد من صعوبة تصنيع هذه الآلات وتجميعها بسبب دوائر الموائع، لهذا السبب يُبدي سوكول حماسًا فائقًا لفكرة طباعتها بالكامل في عملية واحدة، فيقول: "لم يسبق قَط أن تمت هذه العملية برمتها في خطوة واحدة، أعني أن تطبع روبوتًا لينًا فيه شبكة متكاملة من دوائر الموائع، وخصائص الهيكل، والمحركات اللينة جميعًا معًا".

وقد استخدم سوكول وزملاؤه طابعةً ثلاثية الأبعاد تعمل بتقنية «بوليجيت» PolyJet، وهي نوع من الطابعات تستخدم طبقة سائلة، وتعرِّضها لضوء يحولها إلى حالة صلبة ثم تضيف بعد ذلك الطبقة التالية، وفي وسع نموذج الطابعات الذي استخدموه -الذي صنعته شركة تسمى «ستراتاسيس» Stratasys- إنتاج ثلاثة أنواع من المواد: مادة لينة تشبه المطاط، ومادة أكثر صلابةً تشبه البلاستيك، وطبقة مساعدة قابلة للذوبان في الماء تؤدي دور الحامل خلال عملية الطباعة، إلا أنه يتعين نزعُها من المنتج النهائي فيما بعد.

ويبلغ سعر هذه الطابعات حديثة التقنية عشرات الآلاف من الدولارات، إلا أن فريق سوكول لم يكن بحاجة إلى شراء طابعة من تلك الطابعات، فيقول: "إننا نستخدم مركز خدمة متاحًا في حرم الجامعة لإجراء عملية الطباعة؛ فقد أرسلنا إليهم ملفاتنا، وطبعوها، ثم تسلمناها منهم"، ويذكر سوكول أن أي شخص يرغب في طباعة أيٍّ من هذه التصميمات -التي أتاحها فريقه في صورة برمجيات مفتوحة المصدر على موقع التطوير GitHub- باستطاعته استخدام خدمة طباعة ثلاثية الأبعاد مشابهة مقابل مبلغ مالي يقدر بنحو مئة دولار أو أقل.

ويؤكد سوكول أن هذه العملية أسرع وأقل تكلفةً وأيسر من تصنيع دائرة موائع دقيقة في غرفة نظيفة، وتصنيع الروبوت في عملية منفصة، ثم دمجهما معًا، إلا أن لويس لا توافقه هذا الرأي من جميع الأوجه، فتقول: "ثمة شكل من أشكال الدقة والبساطة في هذه العملية، إلا أنني لا أظن أنها أسرع وأقل تكلفةً بالضرورة، لكن ثمة صعوبة كذلك في صنع الدائرة بطريقة مختلفة ثم دمجها -على النحو الذي قمنا به- في روبوت مصبوب ومطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وأرى أن الطريقة التي اختارها سوكول وزملاؤه لها مزايا عديدة من حيث استطاعتها طباعة عددٍ كبير من المواد لكلٍّ منها درجة مختلفة من الصلابة"، توضح لويس كذلك أن الروبوت اللين الجديد لا يكون جاهزًا للعمل فورًا عقب طباعته، فتقول: "يتمثل أحد أوجه الصعوبة في استخدام هذه الطريقة في الحاجة إلى إزالة المادة المساندة بالكامل، وهذا أمرٌ لا يمثل صعوبةً إذا ما كانت هذه المادة على الهيكل الخارجي، لكن الصعوبة تكمن في وجودها في جميع هذه القنوات الداخلية".

لعبة ماريو

بعد تنظيف الروبوتات المطبوعة بإزالة المادة المساندة، كان على أفراد فريق سوكول تصميم اختبار أداء لها، سبق لدراسات سابقة أن برمجت أصابع روبوتية لعزف لحن على البيانو على سبيل المثال، وهي مهمة رآها فريق سوكول سهلةً للغاية، وفي هذا يقول سوكول: "في هذه العملية، يمكننا أن نضبط الإيقاع بطريقة عشوائية، إذا أغفل الروبوت عزف نغمة أو ارتكب خطأً مشابهًا، ليس ثمة عقاب ملموس على هذه الأخطاء"، أما الألعاب الإلكترونية فهي أميل إلى الحسم، فيقول: "إذا ما ارتكبت خطأً ما، كعدم الضغط على الزر في الوقت المناسب، أو عدم رفع الأصبع من عليه في الوقت الملائم، فقد يتسبب هذا في الاصطدام بالعدو في اللعبة أو السقوط في حفرة، وحينها تخسر اللعبة في التو".

وقد وضع الباحثون اليد الروبوتية ثلاثية الأصابع على وحدة تحكم لجهاز ألعاب نينتيندو، حيث يستقر كل أصبع على زر مختلف أو على لوحة التحكم بالاتجاهات، وعبر ضخ السائل في خط تحكم بدرجات متفاوتة من الضغط، يمكن خلق استجابة في كل أصبع، ويشرح سوكول هذه العملية قائلًا: "في حالة الضغط الطفيف، تتمكن الدائرة من الاستجابة عبر الضغط على الزر الذي يدفع ماريو إلى الحركة للأمام، وفي حالة الضغط بقوة متوسطة، تضغط الأصبع الثانية على الزر المقابل له وحينها يبدأ ماريو في الجري، وأما في حالة الضغط بقوة، فتقوم الأصابع الثلاث بالضغط على الأزرار المقابلة لكلٍّ منها، وحينها يقفز ماريو".

صمم الفريق برنامجًا حاسوبيًّا يمكنه تغيير الضغط تلقائيًّا فيتسبب في تحريك الأصابع بنمط معين، وحيث إن لعبة ماريو بروس لعبة شهيرة ولطالما لعبها اللاعبون على مدار عقود، كان أفراد الفريق يعرفون جيدًا تتابُع الأزرار الذي على اليد تنفيذه للفوز في المستوى الأول من اللعبة، كل ما عليها فعله هو تنفيذ هذه القائمة المبرمجة مسبقًا في التوقيت الصحيح، وهو أمرٌ أصعب مما يبدو عليه، يقول سوكول إن الجزء الذي مثَّل صعوبةً كبيرةً لم يكن في "دفع اليد لتضغط الزر فحسب، بل في أن تكف عن الضغط عليه ثم تعيد الضغط مرةً أخرى، وذلك لأنه يتعين على ماريو في كثير من الأحيان أن يقفز ثم يعيد القفز مرةً أخرى بسرعة في أثناء جريه".

تقول لويس: "إن تجربة ماريو تجربةٌ لطيفة، ولا شك أنها ستجذب الأنظار، لكني أرى أن الأمر الأشد إثارةً في هذا البحث هو الطباعة ثلاثية الأبعاد لمواد عديدة، أي القدرة على دمج جميع دوائر الموائع المعقدة هذه في خطوة واحدة رائعة، إن إنجاز الباحثين يستحق الكثير من الإعجاب".

أظهر الفوز في لعبة الفيديو أن اليد الروبوتية المطبوعة بالكامل يمكن أن تستجيب بسرعة ودقة لمُدخَلات متغيرة، ويمكن لأي لعبة فيديو معروفة أن تكون شاهدًا على ذلك، لكن ماريو تحتل مكانةً خاصةً في قلوب كثير من اللاعبين، يقول سوكول: "راودنا إحساس بأن هذه هي اللعبة التي يجب البدء بها، فعندما كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري، ابتعنا جهاز ألعاب نينتيندو، وكانت لعبة ماريو هي أول لعبة لعبتها على الإطلاق".