يتولد عن نجمنا بين الحين والآخر دفقاتٌ انفجاريةٌ هائلةٌ من جسيماتٍ وإشعاعاتٍ يُمكن أن تُلحق ضررًا بالغًا بكوكب الأرض، وعلى مدار أكثر من 150 عامًا، انصبَّ تركيز العلماء الذين يدرسون هذه الدفقات الانفجارية وكيفية تأثيرها في كوكبنا على مثالٍ واحد يبدو الأبرز والأهم: حَدَث كارينجتون في عام 1589، إذ أطلقت الشمس دفقةً انفجاريةً ضَرَبت الأرض؛ لتضخ في المجال المغناطيسي لكوكبنا طاقةً كافيةً لإطلاق عاصفةٍ مغناطيسيةٍ أرضيةٍ هائلة، أحدَثَت مناظر شَفَقية قُطبية جميلة، لكنها أشعلت في الوقت ذاته حرائق كهربائيةً في خطوط التلغراف، وقد كانت بنيتنا التحتية الإلكترونية آنذاك بدائيةً جدًّا، إلى حد أنَّ العاصفة اعتُبِرَت مجرد حادثة مزعجة شاذة وثانوية، غير أن الباحثين باتوا يدركون اليوم أنَّ عاصفة كارينجتون، إلى جانب عاصفةٍ أخرى تُضاهيها في القوة هَبَّت في عام 1921، نذير شؤم بكوارث مستقبلية، ومع ذلك، تُعد كلتا العاصفتين ضعيفةً إذا ما قُورنتا بعاصفةٍ قديمة اكتُشِفَت في عام 2012، وهي عاصفةٌ بالغة الضخامة هبَّت في عام 775 ميلاديًا تقريبًا، ويُحتمل أنها كانت أقوى بمقدار يتراوح بين 10 أضعاف و100 ضِعف، يقول نيكولاس بريم، من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ: "كان هذا أمرًا مذهلًا للغاية، لم يخطر ببالنا أنَّ شيئًا بهذه الضخامة يمكن أن يحدث".

وكانت هذه العاصفة الهائلة القديمة شديدةَ الضخامة على نحوٍ جعل العلماء يرون أنها ربما تكون قد نشأت من "انفجار فائق القوة" انطلق من الشمس ولا يحدث إلا مرةً واحدةً في كل 10 آلاف سنة، وكان هذا الحَدَث أقوى آلاف المرات من انفجارٍ شمسيٍّ عادي، ومن المحتمل أن يُسفِر تلقِّي ضربة مباشرة بانفجار فائق القوة كهذا عن عواقب مُدمرة على مجتمعنا العصري المتصل عالميًّا، من حُسن الحظ إذًا أن تلك أحداثٌ نادرة، أليس كذلك؟

في الواقع، ربما لا تكون نادرة الحدوث؛ فبعض الباحثين الذين يتفحَّصون السجلات الجيوكيميائية لتاريخ الأرض الحديث توصلوا حاليًّا إلى أدلةٍ تُشير إلى وقوع حدَثين آخرين مشابهين.

ففي مسوَّدةٍ بحثية لدراسةٍ أشرف عليها بريم –وهي متاحةٌ على منصة «ريسيرش سكوير» Research Square كما قُدِّمت إلى دورية «نيتشر كوميونكيشنز» Nature Communications- يُعلن العلماء عن كشفٍ محتملٍ لحدثين شمسيين مروعين، أما الحدث الأول فقد وقع في عام 7176 قبل الميلاد، عندما أخذت المستوطنات الزراعية تحُل محل المجتمعات البدوية التي كانت تعيش على الصيد وجمع الثمار، وأما الآخر فقد وقع في عام 5259 قبل الميلاد، مع خروج الكوكب من المخاض الأخير لآخر عصوره الجليدية، ويُعتقَد أنَّ قوة كلا الحدثين تَعدِل -على أقل تقديرٍ- قوة الحَدَث الذي وقع في عام 775 ميلادي، وبذلك فمن الوارد أن تكون هذه الأحداث الثلاثة هي أقوى الانفجارات الشمسية المُسجَّلة المعروفة إلى الآن، وعلى مرِّ العقد الماضي، انخرط الباحثون في البحث عن أحداثٍ أخرى بالغة القوة، مثل ذلك الحدث الذي وقع في القرن الثامن، وكان فريق بريم هو أول مَن عثر على أحدها، تقول فوسا مياكي من جامعة ناجويا في اليابان، والمُشرفة على الدراسة التي أُجريت عام 2012 لتكشف عن حَدَث عام 775 ميلادي: "ذلك إنجازٌ عظيم"، وصار العلماء يشيرون الآن إلى مثل هذه الانفجارات فائقة القوة باسم «أحداث مياكي».

ومن أجل سبر أغوار الماضي السحيق، يعتمد الباحثون على التحليلات الكيميائية لعيناتٍ مأخوذة من أغطية جليدية قطبية، ومن أشجارٍ عتيقةٍ محفوظةٍ في مستنقعاتٍ مشبعة بالمياه أو عاليًا على قمم الجبال؛ فحينما تصطدم الجسيمات الشمسية بغلافنا الجوي، يُمكن أن تُنتج أشكالًا مشعةً غير مستقرة من عناصر متنوعة تتراكم في مثل هذه الأماكن؛ ففي حالة الكربون مثلًا، يُمكن للنشاط الشمسي أن يكوِّن أحد نظائر الكربون المشعة وهو الكربون-14، الذي تمتصه حلقات جذوع الأشجار في أثناء نموها، ونظرًا إلى أن كل حلقة تُكافئ عامًا واحدًا من أعوام النمو، فإن هذا يُعطينا تاريخًا دقيقًا جدًّا لأي طفراتٍ سبَّبتها زيادة النشاط الشمسي في أي نظير؛ فكلما كانت كمية الكربون-14 الموجودة في إحدى الحلقات أكبر، يُستَدل من ذلك على أنَّ عدد الجسيمات الشمسية التي كانت تضرب غلافنا الجوي في وقتٍ معين كان أكبر، يقول شارلوت بيرسون، من مختبر أبحاث حلقات الأشجار في جامعة أريزونا وأحد الباحثين الذين شاركوا في الدراسة المذكورة: إنَّ مثل هذه الحلقات "تُتيح لنا إعداد نماذج لأنماط الكربون المُشع عبر الزمن، والنشاط الشمسي أحد العوامل الرئيسة التي تُسبِّب هذه التقلبات".

والعيِّنات الجوفية الأسطوانية المأخوذة من الجليد تتيح إجراء قياسٍ مشابه، وإن كان أقل دقةً بدرجةٍ طفيفة، وذلك من خلال ما تحويه من تركيزات البريليوم-10 والكلور-36، وهذه الطُّرُق، عند الجمع بينها، يُمكن أن تتيح لنا سردًا دقيقًا جدًّا للأحداث التاريخية، فتتوافر لدينا بياناتُ حلقات جذوع الأشجار لمعظم فترات الحقبة الهولوسينية، أي الحقبة الجيولوجية الحالية التي بدأت منذ نحو 12 ألف عام، غير أنَّ تفحُّصها بحثًا عن أحداثٍ معينةٍ كطفرات ارتفاع نسبة نظير الكربون-14 يستغرق وقتًا طويلًا؛ فتفحُّص سنةٍ واحدةٍ فقط يستغرق في العادة أسابيع يُجرى خلالها تحليلٌ لعدة عينات مأخوذة من حلقات جذوع الأشجار ويُقاس الارتباط المتبادل بينها، تقول ألكساندرا بايليس، رئيسة قسم التأريخ العلمي في هيئة «هيستوريك إنجلاند» وإحدى المشاركات في تأليف الدراسة: "لدينا 12 ألف سنة من الحقبة الهولوسينية بحاجةٍ إلى دراسة، وقد فحصنا 16% منها، الأمر يحتاج إلى مالٍ ووقت".

كان الحظ حليفًا بعض الشيء لبريم وفريقه في دراستهم المُشار إليها؛ فبالنسبة للحَدَث الذي وقع في عام 7176 قبل الميلاد، شُوهدت أدلةٌ أوليةٌ على حدوث زيادة حادة في البريليوم-10 في عينات الجليد أولًا، ثم تابع الباحثون استقصاءهم بتحليل حلقات جذوع الأشجار ليرصدوا زيادةً حادةً مقابلة في الكربون-14، وفيما يتعلق بالحَدَث الذي وقع في عام 5259 قبل الميلاد، كانت بايليس قد لاحظت وجود فجوة في البيانات الأثرية في تلك الفترة الزمنية تقريبًا، وبعد ذلك، درس الفريق بيانات الكربون-14 في حلقات جذوع أشجار تنتمي إلى هذه الحقبة، ليرصدوا زيادةً حادةً أخرى، يقول بريم: "رصدنا هذه الزيادة الهائلة"، فيما يتعلق بكلا التاريخين، وقيمة كلتا الزيادتين تشبه قيمة الزيادات التي رصدها مياكي في العينات التي أكَّدت حَدَث عام 775 ميلادي.

عقب دراسة مياكي في عام 2012، لم يكن العلماء على يقينٍ في البداية من العوامل المسؤولة عن حدوث تلك الزيادات، بل إنَّ بعضهم رأى أنَّ الأحداث الشمسية مستبعدة، ومع ذلك، أظهرت دراسةٌ أُجريت في عام 2013، تحت إشراف براين توماس من جامعة واشبيرن، أنَّ الانفجارات الشمسية هي السبب الأرجح وراء تلك الزيادات، يقول توماس، الذي لم يشارك في الدراسة الأخيرة التي أجراها بريم وزملاؤه: "كان بعض الأشخاص يقترحون [أنَّ طفرةً حَدَث عام 775] من الممكن أن تكون ناتجةً من مُستعر أعظم أو حتى دفقة من أشعة جاما، لكنَّ هذه الظواهر أكثر ندرةً من أن تُسبِّب تكرارًا كهذا، هذا التفسير ليس مناسبًا، شأنه شأن التفسير الشمسي"، يُرجِّح توماس أنَّ مثل هذه الطفرات الكبيرة المتكررة نَتَجت عن نشاطٍ شمسي زائد، وربما صاحب تلك الطفرات عاصفةٌ مغناطيسيةٌ أرضيةٌ مشابهةٌ لحَدَث كارينجتون لكنها أقوى بكثير، تقول بايليس: "حَدَث كارينجتون لا يمكن رصده حتى" في حلقات جذوع الأشجار وعينات الجليد، وهو ما يُوحي بأنه كان ضعيفًا للغاية مقارنةً بهذه الأحداث.

ومع ذلك، لم تتضح بعد ماهية العلاقة بالتحديد بين الطفرات المفاجئة في الجسيمات الشمسية وشدة أي عاصفة مغناطيسية أرضية مصاحبة لها، يقول توماس: "غالبًا ما يكون حَدَث الجسيمات الكبير مرتبطًا بعاصفة مغناطيسية أرضية، لكنَّ هذا ليس شرطًا بالضرورة"، بل من الوارد أيضًا أنَّ العواصف المغناطيسية الأرضية، مثل حَدَث كارينجتون، لا تُسبِّب أي طفرات في نسب الكربون-14 على الإطلاق، وهو ما يُفسِّر عدم وجود دلائل تُشير إلى هذا الحدث في بيانات حلقات جذوع الأشجار وعينات الجليد، إلا أن لدينا تلميحاتٍ إلى أنَّ حدث عام 775 على الأقل كان مصحوبًا بشفق قطبي قوي، سُجِّل في الصين، وهو ما يُشير إلى حدوث عاصفةٍ مغناطيسيةٍ أرضيةٍ قويةٍ بالتزامن مع هذا التدفق الهائل للجسيمات الشمسية، يقول توماس: "الأسلم أن نفترض أنَّ هذه الأحداث كلها كانت عواصفَ مغناطيسيةً أرضيةً كبيرة".

وإذا صَحَّ وجود هذه العلاقة، فهذا يُشير إلى أنَّ كوكب الأرض في العشرة آلاف سنة الماضية وحدها، تعرَّض لما لا يقل عن ثلاثة انفجارات شمسية فائقة القوة، (قد تُكتشَف في نهاية المطاف أدلةٌ على مزيدٍ من هذه الانفجارات في الأخماس الأربعة التي لم تُحلَّل بَعد من بيانات حلقات جذوع الأشجار المتاحة بهدف رصد طفرات الكربون-14)، يقول بيرسون: "حدوث انفجار واحد فقط في العشرة آلاف سنة الماضية لا يبدو منطقيًّا في واقع الأمر، ولكن قبل أن نبلغ المرحلة الحالية، كان من الوارد أن يكون الأمر مقتصرًا على حَدَث واحد دون تكرار، الآن بعدما رصدنا حَدَثين آخرين، لست متيقنًا من كون هذا شيئًا مفاجئًا، لكنه قد يكون مثيرًا للقلق".

وأبرز ما يستدعي القلق أنَّ حدثًا كهذا، لو وقع في الوقت الحاضر، فمن الممكن أن يدمر الأقمار الصناعية في مداراتها والبنية التحتية على الأرض؛ ففي مارس عام 1989، أسفرت عاصفةٌ مغناطيسيةٌ أرضيةٌ عن انقطاع التيار الكهربائي 12 ساعة في مقاطعة كيبيك الكندية، وذلك عندما سبَّبت حملًا زائدًا على شبكة الطاقة الكهربائية بأكملها في المقاطعة، مع أنَّ تلك العاصفة كانت أضعف بكثير حتى من حَدَث كارينجتون، وإذا افترضنا هبوب عاصفة مغناطيسية أرضية ناجمة عن أحد أحداث مياكي في الوقت الحاضر، فمن المحتمل أن ينجم عنها تأثيراتٌ أوسع نطاقًا، بما يشمل أعطالًا قد تكون كارثيةً في شبكة الطاقة والأقمار الصناعية.

وفقًا للحسابات التي أجرتها مؤخرًا الباحثة سانجيتا عبده جيوتي، من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين، فإن حدوث عاصفة في الوقت الحالي، تَعدِل في شدتها حدث كارينجتون، يُمكن أن يُسفر عن "دمار كارثي في شبكة الإنترنت"؛ فالجسيمات عالية النشاط المنطلقة من مثل هذه العاصفة يُمكن أن تُسبِّب تلفًا تامًّا في الكابلات الممتدة في أعماق البحار بين البلدان، مما سيُعطل حركة الإنترنت في كل أنحاء العالم أسابيعَ أو حتى شهورًا، ووفق تقديرات سانجيتا جيوتي، فإن الولايات المتحدة وحدها يُمكن أن تتكبد بسبب كارثةٍ كهذه كلفةً تُقدَّر بنحو سبعة مليارات دولار أمريكي يوميًّا، أما في حال وقوع حَدَث أقوى، على شاكلة أحداث مياكي، فإنه قد يُسبِّب أضرارًا جسيمة جدًّا إلى حدٍّ يجعلها غير قابلة للحساب تقريبًا، تقول سانجيتا جيوتي: "إذا وقع حَدَث بضخامة حدث كارينجتون، فمن الممكن أن نتعافى؛ لأنَّ بياناتنا نفسها لن تُمحَى، أمَّا إذا وقع حَدَث أقوى 10 مرات أو 100 مرة، فلا أعرف كيف ستكون النتيجة، لا أعتقد أنه سبق لأحدٍ محاكاة ذلك، أظن أن هذا سيتسبَّب في فقدان كمياتٍ هائلة من البيانات، فقد نفقد كل سجلاتنا ومعلوماتنا البنكية ومعلوماتنا الصحية بالغة الأهمية، ولن يتبقى لدينا أي مرجع نسترشد به".

يبدو أن احتمالية تعرُّض حضارتنا العالمية لعصرٍ مظلمٍ جديد بسبب أحد أحداث مياكي لا تزال مُستبعَدةً في الوقت الراهن، لكنَّ بعض التقديرات تشير إلى أنَّ احتمالات وقوع حَدَث على مستوى كارينجتون قد تصل إلى 12% في العقد المقبل، ويُمكننا التأهُّب لحَدَثٍ بهذا المستوى عن طريق مراقبة النشاط الشمسي وإغلاق الأقمار الصناعية وشبكات الطاقة قبل حلول انفجار فائق القوة وما يصاحبه من عاصفةٍ مغناطيسيةٍ أرضية، ولكن إذا وقع حَدَثٌ أقوى بكثير، كأحد أحداث مياكي، فستكون مهمة اتقاء تأثيراته أصعب بكثير، وبينما نواصل رحلة البحث عن أدلةٍ تُشير إلى أحداثٍ هائلةٍ إضافيةٍ في حلقات جذوع الأشجار وعينات الجليد العتيقة، ينبغي ألَّا نغفل احتمالية وقوع أحدها في المستقبل القريب، يقول توماس: "بدأنا للتو نُدرك أنَّ الشمس يُمكن أن تكون أشد جموحًا ونشاطًا أكثر بكثير مما كنا نظن؛ فعندما كان الناس يدرسون هذه الانفجارات فائقة القوة على نجومٍ أخرى، كان أحد الأسئلة المطروحة للمناقشة يدور حول ما إذا كانت الشمس تستطيع فعل ذلك، واستنادًا إلى هذه السجلات التاريخية، يبدو أنَّ الشمس قادرةٌ على بلوغ هذا المدى، ثمة أسبابٌ كثيرة جدًّا تستدعي القلق".