التليّف الرئويّ (PF) مرضٌ غير شائع الحدوث، ولكنه قاتل في كثير من الحالات، ويمكن أن تكون السبيل إلى تشخيصه طويلةً وعسيرة، لا يعرف أحدٌ على وجه التأكيد عدد المصابين بهذا المرض، وتشير التقديرات المستمدة من البحوث إلى أن التليّف الرئويّ مجهول السبب idiopathic pulmonary fibrosis (IPF) -وهو مجرد نوع واحد فقط من مئتي نوع من التليّف الرئويّ- يصيب شخصًا واحدًا من كل 200 شخص فوق سن السبعين في الولايات المتحدة، وهذا يعني أن هناك أكثر من مئتي ألف شخص مصابين بالتليّف الرئويّ مجهول السبب حاليًّا، ويجري سنويًّا تشخيص حوالي خمسين ألف حالة جديدة، ويُتوفى ما يصل إلى أربعين ألف أمريكي من جَرَّاء الإصابة بالمرض كل عام.

هناك الكثير من العوامل التي تجعل هذا المرض عسيرًا على كلٍّ من المريض ومقدم الخدمة الطبية؛ فصعوبة المرض لا تقتصر على التأخر في تشخيصه لفترات زمنية طويلة (أو إساءة تشخيصه أحيانًا)، بل يعاني المرضى أيضًا من أعراض مُنهِكَة، وعلى النقيض من داء السكري وأمراض القلب والسرطان، التي ترتفع درجة وعي الناس بخطورتها وتبدو المصطلحات الطبية المتعلقة بها مألوفةً للعامة، فالتليّف الرئويّ مرض لا يسمع به أغلب الناس قبل أن يتم تشخيص إصابتهم به، وفي الواقع، فإن 9 من بين كل 10 أمريكيين تقريبًا لا يعرفون أعراض التليّف الرئويّ، وفق ما يشير مسحٌ حديث أجرته مؤسسة التليّف الرئويّ، ومن ثَم تتضح الأهمية البالغة لالتماس الخبرة والمعرفة من أهلها حيثما وُجِدوا، للتمكُّن من تشخيص المرض وتقديم العلاج لهذه الفئة من المرضى مبكرًا.

تتشابه إلى حدٍّ بعيد أعراض جميع أمراض الرئة التي تُصنَّف على أنها تليّف رئويّ، والتي يزيد عددها على مئتي نوع، المعنى الحرفي للتليّف الرئويّ هو حدوث تَنَدُّب في الرئتين، وعندما تحدث في الجسم عملية تؤدي إلى تَنَدُّب الرئة أو التهابها، يمكن للنسيج المتندب أن يدمر الرئة الطبيعية بمرور الزمن، ويجعل من الصعب على الأكسجين المرور بسهولة إلى مجرى الدم، كذلك تتصلب الرئتان، فيصبح من العسير على المريض أن يتنفس بعمق.

من الأسباب المعروفة للتليّف الرئويّ التقدم في العمر (تجاوُز سن الستين)، وتدخين السجائر (سواءٌ كان الشخص مدخنًا سابقًا أو ما زال يدخن)، بالإضافة إلى الأسباب الوراثية، ونعرف أيضًا أنه في إطار عملية تطور المرض الشاملة بالجسم، يمكن أن ينشأ التليّف الرئويّ مصاحبًا لحالة من حالات المناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي أو التصلب الجلدي، وهناك أيضًا أسباب بيئية للمرض، كالتعرض للفطريات أو البروتينات الحيوانية (وخصوصًا تلك التي يكون مصدرها الطيور المستأنسة أو المرباة في أقفاص)، وهي تؤدي إلى مرض يُسمى الالتهاب الرئويّ الناجم عن فرط الحساسية (HP)، وتشمل الأسباب الأخرى خضوع الشخص لعلاجات طبية معينة، كالعلاج الكيميائي وتناول أدوية معينة، مثل عقار «أميودارون» amiodarone، والتي يمكن أن تسبب –جميعها- التسمم الدوائي والتليّف الرئويّ، من ناحية أخرى، هناك الكثير من المصابين بتلك الأمراض الذين لا يمكن أن تُنسب إصابتهم إلى سبب محدد، ومن ثم، يُوصف المرض بالتليّف الرئويّ مجهول السبب، بيد أن كل هذه الأمراض تشترك معًا في خاصية واحدة، هي التهاب الرئتين وتَنَدُّبهما.

تشخيص التليّف الرئويّ

تقف أعراض مرض التليّف الرئويّ وراء صعوبة تشخيصه، لأنها ليست أعراضًا قاصرة على هذا المرض تحديدًا؛ فحالات الإصابة بالتليّف الرئويّ يمكن أن تتنوّع من حالات بلا أعراض إلى حالات مصحوبة بالسعال الجاف المزمن أو تلاحق الأنفاس أو الإرهاق أو جميعها، ونظرًا لتشابه هذه الأعراض مع أمراض أخرى، كنزلات البرد، أو بسبب ظهور الأعراض بشكل طفيف أو عدم ظهورها على الإطلاق في بدايات المرض، لا يتسنى تشخيص التليّف الرئويّ إلا بعد أن يكون قد استفحل ووصل إلى مراحله المتأخرة، وهذا هو السبب الذي يجعل التشخيص الدقيق والمبكر أمرًا في غاية الأهمية.

هناك القليل من الاختبارات التي تُستخدَم لتحديد ما إذا كان المريض يعاني من التليّف الرئويّ أم لا؛ فالطبيب الساعي لتشخيص المرض سيبحث عن أعراض معينة، من قبيل انخفاض مستويات الأكسجين أو وجود كركرة في الرئتين (تشبه الصوت الصادر عن نزع الشريط اللاصق "فيلكرو") أو صوت طقطقة الأصابع، يُضاف إلى ذلك أن الفحص بالأشعة المقطعية عالية الوضوح (HRCT) أدى إلى تغيير الطريقة التي يتم بها تشخيص التليّف الرئويّ؛ فالمسح بواسطة هذه التقنية يعطي صورةً مُقربةً للرئتين، مما يوفر مزيدًا من التفاصيل بالمقارنة مع الأشعة المقطعية العادية، أشكالٌ كثيرة من التليّف الرئويّ تبدو لغير الكوادر المدربة متشابهةً في المسح بالأشعة المقطعية العادية، لكن التفاصيل الدقيقة التي تكشف عنها الأشعة المقطعية عالية الوضوح لا غنى عنها عند تحديد نوع التليّف الرئويّ الذي يعاني منه المريض، ومن خلال إجراء الكثير من البحوث، أصبح بإمكاننا تشخيص نوع التليّف الرئويّ في 50% من الحالات، عن طريق الجمع بين التاريخ الطبي للمريض ومظهر الرئتين في المسح بواسطة الأشعة المقطعية عالية الوضوح، وربما يلجأ الطبيب أيضًا إلى إجراء خزعة رئوية (أي أخذ عينة من نسيج الرئة) للمساعدة في تحديد نوع التليّف الرئويّ وأنواع العلاجات التي يمكن أن تكون فعّالةً مع الحالة.

لماذا يمثل التليّف الرئويّ مشكلة؟

بعد تشخيصه، يكون للتليّف الرئويّ تأثيرٌ ملموس على جودة حياة المرضى الذين قد يعانون من صعوبة التنفس أو انقطاعه في أثناء ممارستهم لأنشطتهم اليومية المعتادة، كالاغتسال أو ارتداء الملابس أو التحدث عبر الهاتف أو حتى تناول الطعام، ويضطر المرضى إلى الاستعداد لما قد يحدث في المستقبل، وتحليل كل نشاط يخططون لفعله، وإعادة النظر في مشاركتهم في المناسبات الاجتماعية؛ لأن السعال المزمن قد يمنعهم من الانخراط في محادثة الآخرين، ويصبح كثيرٌ منهم أيضًا بحاجة إلى الاعتماد على مقدمي الرعاية، وعلى شبكة دعم أوسع نطاقًا، كل هذه الأمور يمكن أن تجعل حياة المريض بالتليّف الرئويّ بالغة الصعوبة وحافلةً بالتحديات.

إجمالًا، يُعتبر التليّف الرئويّ مرضًا خطيرًا، ومعوّقًا للحياة، وبينما يبلغ متوسط البقاء على قيد الحياة بعد الإصابة ببعض أشكال التليّف الرئويّ ثلاثة إلى أربعة أعوام فقط، فإن التشخيص المبكر والعلاجات الأفضل المتوافرة حاليًّا تتيح لكثير من المرضى أن يعيشوا فترات أطول، ولحسن الحظ، يتوافر لدينا عددٌ من طرق علاج التليّف الرئويّ، منها العلاج بالأكسجين، وإعادة تأهيل الرئتين، واستخدام الأدوية، وحتى زرع الرئة، وفي عام 2014، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على تداول اثنين من الأدوية لعلاج التليّف الرئويّ مجهول السبب، وهما: «نينتيدانيب» nintedanib و«بيرفينيدون» pirfenidone، لقد كان ذلك نجاحًا ضخمًا لمجتمعنا، لكنه مجرد بداية لما علينا أن نقدمه لمرضانا.

استشراف المستقبل

يحمل هذا العام آمالًا عريضةً في حدوث تقدم في البحوث والتجارب السريرية، إذ يواصل المجتمع البحثي بإصرار دراسة أنواع جديدة من العلاجات لكل أشكال التليّف الرئويّ؛ فالمشروع البحثي الذي يحمل اسم «برِيسِيجَنْز» PRECISIONS، دراسة تمولها معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH)، يتناول عوامل الخطورة الوراثية والاستجابات للعلاج، إذ يتم تطبيق مبادئ الطب الدقيق في علاج المرضى المصابين بالتليّف الرئويّ مجهول السبب.

توجد الآن، وأكثر من أي وقت مضى، فرصٌ كثيرة أمام المرضى للمشاركة في التجارب السريرية، وتؤدي مؤسسة التليّف الرئويّ (PFF) دورًا محوريًّا في دعم هذه التجارب، لدينا أيضًا منصة PFF للتسجيل الإلكتروني، التي تتيح للمرضى المشاركة على نحو إيجابي في المساعدة على تسريع وتيرة الجهود البحثية؛ فبمشاركة المرضى، وبالتعاون مع مختلف الباحثين والهيئات الممولة للبحث العلمي، سنواصل تحقيق التقدم لصالح مرضى التليّف الرئويّ.

ويحدوني الأمل في أن يؤدي نشر المعلومات المفيدة، وتوفير المصادر المساعِدة، إلى استمرار تنامي الاهتمام بالتليّف الرئويّ، مما يؤدي إلى تحسين فرص الاكتشاف المبكر للمرض، وتعزيز جودة حياة المرضى، إن ما نصبو إليه هو تمكين المرضى من أن يعيشوا حياةً أطول وأن ينعموا بحياة أفضل مع إصابتهم بهذا المرض.