عندما تسببت جائحة «كوفيد» COVID في حالات إغلاق اقتصادي واسعة النطاق وفرض التدابير بالبقاء في المنزل خلال فصل الربيع من عام 2020، توقع كثيرٌ من وسائل الإعلام والمحللين أن هذا الوضع قد يتسبب في طفرة في المواليد، ولكن يبدو أن ما حدث كان العكس، إذ أوضحت دراسة جديدة أن معدلات المواليد انخفضت في عدد من الدول الغنية في أثناء الأزمة.

درس آرنشتاين أسيف -أستاذ العلوم الاجتماعية والسياسية في جامعة بوكوني الإيطالية- وزملاؤه معدلات المواليد في 22 دولة من الدول الغنية، منها الولايات المتحدة الأمريكية، في الفترة من عام 2016 وحتى بداية عام 2021، إذ وجدوا أن الإحصاءات توضح انخفاضًا ملحوظًا في معدلات المواليد في سبعٍ من هذه الدول خلال الأشهر الأخيرة من عام 2020 والأشهر الأولى من عام 2021، مقارنةً بالفترة نفسها في الأعوام السابقة، كان للمجر وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال النصيب الأكبر من معدلات الانخفاض، بنسب بلغت 8.5% و9.1% و8.4% و6.6% على التوالي، يقول أسيف إن الولايات المتحدة الأمريكية شهدت انخفاضًا في معدلات المواليد بنسبة 3.8%، وهي لا تُعد نسبةً مرتفعةً من الناحية الإحصائية، وهو ما قد يرجع إلى أن تأثير الجائحة جاء موزعًا على رقعة أكبر في البلاد، وأن الباحثين لم يكن لديهم من البيانات الصادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية سوى تلك الخاصة بشهر ديسمبر 2020، وقد نُشِرَت نتائج الدراسة في دورية «بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز الأمريكية» Proceedings of the National Academy of Science USA.

تشهد معدلات المواليد تأرجحاتٍ موسميةً على مدار العام، إذ شهد عدد من الدول التي شملتها الدراسة انخفاض معدلات المواليد على مدار عدة أعوام قبل حلول الجائحة، بيد أن حالات الانخفاض التي سُجلت بعد مرور تسعة أشهر على إعلان منظمة الصحة العالمية (WHO) حالة الطوارئ الصحية العامة في الثلاثين من يناير عام 2020 كانت أكثر حدة، يقول أسيف: "نحن واثقون جدًّا بأن تأثير الجائحة على تلك الدول حقيقي"، مضيفًا: "حتى وإن كانت هذه الدول ]قبل الجائحة[ قد بدأت تشهد انخفاضًا طفيفًا في معدلات المواليد، فنحن متأكدون تمامًا من أن الجائحة كان لها دور كبير في التراجع الحالي".

Graphic shows monthly birth rates from January 2016 to as recently as June 2021 in 22 high-income countries.

Credit: Amanda Montañez; Sources: Human Fertility Database, Max Planck Institute for Demographic Research and Vienna Institute of Demography (birth data); World Population Prospects: The 2019 Revision, United Nations (population data)

يرى أسيف أن تلك الظاهرة تعود في المقام الأول إلى حالة الضبابية المصاحبة للجائحة العالمية وتداعياتها على الأوضاع الاقتصادية لكثير من الأسر، ويعلق أسيف قائلًا: "الناس لا يفهمون حقيقة هذا المرض فهمًا تامًّا، فهو مرض جديد عليهم... وسوف يشهد الكثيرون تراجُع فرصهم في الحصول على عمل، ما سيؤثر على دخلهم"، مضيفًا: "إنك قد لا تتخلى تمامًا عن فكرة الإنجاب، ولكنك على الأقل قد تؤجلها حتى تتحسن الظروف قليلًا".

لم تأتِ نتائج البحث مفاجئةً للكثير من باحثي علم السكان، الذين أشاروا إلى حدوث حالات انخفاض مماثلة عقب أحداث كارثية مثل الأزمة المالية عام 2008 وجائحة الإنفلونزا عام 1918، ولكنها تبقى نتائجَ جديرةً بالملاحظة.

يقول فيليب كوهين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ماريلاند الأمريكية، الذي لم يشارك في الدراسة: "كانت توقعاتنا مؤكدة بحدوث انخفاض في معدلات المواليد نتيجةً للجائحة ]كوفيد[ بسبب ما نعرفه عن تاريخ الكوارث بصفة عامة"، مضيفًا: "بيد أن معدلات هذا الانخفاض لم تكن واضحةً لنا، لذا فإن حصولنا على هذه النتائج الآن أمرٌ مهمٌّ ومثيرٌ بالفعل".

أما الأبحاث التي أجراها كوهين بدوره، والتي وردت نتائجها في مسودة دراسة حديثة لم تخضع للتحكيم بعد، فقد أوضحت أن ولايتي فلوريدا وأوهايو الأمريكيتين قد شهدتا انخفاضًا في معدلات المواليد في أثناء الجائحة، كما وجد كوهين أن الانخفاض كان أكثر حدةً في المقاطعات التي شهدت نسب إصابة أعلى بكوفيد وتضييقات أكبر على التنقل والحركة، يشير كوهين إلى أن الدراسة التي نُشِرَت في دورية «بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز الأمريكية» Proceedings of the National Academy of Science USA اعتمدت على البيانات المأخوذة من الولايات المتحدة الأمريكية حتى شهر ديسمبر عام 2020، وأن البيانات الأحدث توضح تزايُدًا في معدلات انخفاض المواليد.

ليس من الواضح بعدُ ما إذا كانت الدول الغنية ستشهد انتعاشًا ملحوظًا في معدلات المواليد خلال الأشهر والأعوام المقبلة، ولكن البيانات الخاصة بفترات مبكرة من تطور الجائحة تشير إلى عودة معدلات المواليد إلى مستوياتها السابقة في الدول التي تضررت بشدة من الجائحة خلال ربيع عام 2020، وذلك من جَراء حالات الحمل التي حدثت خلال شهر يونيو 2020 عقب انحسار الموجة الأولى من الإصابات بكوفيد، ومع هذا فربما تكون موجات الإصابة التالية قد دفعت مزيدًا من الناس إلى تأجيل الإنجاب مجددًا.

يقول أسيف إنه من الصعب تحديد الآثار بعيدة المدى الناجمة عن إنجاب عدد أقل من الأطفال في أثناء الجائحة؛ إذ إن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى ازدهار اقتصادي مثلما حدث في فترة "العشرينيات الصاخبة" عقب انحسار جائحة الإنفلونزا التي اندلعت عام 1918، أو قد تؤدي إلى تعافٍ ذي شقين: أحدهما متمثل في أن تصبح بعض الأسر التي تضررت بشدة من جائحة كورونا وتداعيتها الاقتصادية أقل رغبةً في إنجاب الأطفال، في حين قد تتزايد الرغبة في الإنجاب لدى الأسر التي واجهت أضرارًا أقل حدةً أو ربما تكون قد استفادت من الجائحة، وهناك احتمال ثالث هو أن تمثل حالات الانخفاض في معدلات المواليد ظاهرةً ديموجرافيةً مؤقتة، في حيث يبقى تأثيرها ضئيلًا على مجمل الكثافة السكانية.

وقد شهد بعض الدول التي شملتها هذه الدراسة الجديدة، ومنها عدد من البلدان الإسكندنافية وسويسرا وكوريا الجنوبية، ارتفاعات طفيفة في معدلات المواليد، ولكن تلك المعدلات لم تكن ذات دلالة إحصائية كبيرة، وفي حين أنه من السابق لأوانه تحليل هذه البيانات، إلا أنها تتيح لنا استنتاج أن تدابير الضمان الاجتماعي الوثيقة في هذه الدول ربما بددت بعضًا من الضبابية المحيطة بمشروع إنجاب الأطفال في أثناء الجائحة.

وقد اقتصرت الدراسة على الدول الغنية نظرًا لدقة البيانات المتاحة في هذه الدول، كما أن فرص حصول المواطنين على وسائل منع الحمل تكون أعلى في هذه الدول، بينما تتوافر لدى النساء كذلك فرص أفضل ويتمتعن بحرية أكبر في اتخاذ القرارات.