عندما يدنو مذنَّبٌ من الشمس، يكون المشهد الذي نرصده من موقعنا على الأرض رائعًا ونادرًا، لكن نظامنا الشمسي يزخر بتلك الكتل الجليدية الصغيرة التي تدور على مسافةٍ شاسعة من الشمس في سحابة «أورط» السحيقة، وبسبب الانتشار الواسع للمذنَّبات في نظامنا الشمسي، يُرجِّح العلماء أن توجد مذنباتٌ في أنظمةٍ كوكبيةٍ أخرى أيضًا.

منذ وقتٍ قريب، نشر فلكيون من المرصد الفلكي الرئيسي (MAO) التابع لأكاديمية العلوم الوطنية الأوكرانية في كييف دراسةً حول اكتشاف خمسة مذنَّبات خارجية جديدة -وهي مذنَّبات تدور حول نجمٍ آخر غير الشمس- في دورية «أسترونومي آند أستروفيزكس» Astronomy & Astrophysics، وذلك باستخدام بياناتٍ مستقاةٍ من «القمر الصناعي لمسح الكواكب الخارجية ذات العبور الزوالي» (TESS)، وأكَّدوا بشكلٍ مستقلٍّ أيضًا وجود بضعة مذنَّباتٍ خارجية سبق أن اكتشفها باحثون آخرون.

تخضع المذنَّبات الموجودة في نظامنا الشمسي للدراسة باعتبارها آثارًا عتيقةً من الماضي، إذ تقدم لنا أدلةً على الكيفية التي تشكَّلت بها الأرض والكواكب المجاورة لها من منظورٍ كيميائي، والمذنَّبات تُمثِّل فصلًا ذا أهميةٍ بالغةٍ في قصة الأرض أيضًا، إذ يُعتقَد أنها جلبت الماء إلى الأرض، مما هيأ الظروف لنشأة الحياة على ظهر كوكبنا.

يقول أندرو فاندربيرج، اختصاصي علم الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي لم يشارك في الاكتشاف الجديد: "أعتقد أن المذنَّبات الخارجية مثيرةٌ ومهمةٌ للسبب نفسه الذي يمنحها الأهمية في نظامنا الشمسي؛ فمن الواضح أنها أدت دورًا مهمًّا في تطوُّر نظامنا الشمسي…، وإذا كانت قصة نشأة نظامنا الشمسي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المذنَّبات الخارجية، فكيف لنا أن نتطلع إلى فهم أنظمة كوكبية أخرى دون معرفة مذنَّباتها؟".

تدور المذنَّباتُ الخارجية المكتشَفة حديثًا حول نجم يُدعى «بيتا بيكتوريس» Beta Pictoris، وهو النجم المفضل لدى الفلكيين وقد نال حظًّا وافرًا من الدراسة، يقع «بيتا بيكتوريس» على بُعد نحو 65 سنة ضوئية فقط من الأرض، ما يجعله قريبًا نسبيًّا بالنظر إلى المسافات الكونية الشاسعة، ونجم «بيتا بيكتوريس» (الذي يشتهر أيضًا باسم «بيتا بيك» Beta Pic) أصغر عمرًا من الشمس بكثير، إذ يتراوح عمره بين 10 إلى 40 مليون سنة فقط مقارنةً بعمر النظام الشمسي البالغ 4.5 مليارات سنة، ولهذا السبب فإن هذا النجم يُقدم لمحةً عظيمة الفائدة عما يحدث خلال مرحلة شباب النظم الكوكبية، يدور حول هذا النجم كوكبٌ غازي عملاق (يُسمى «بيتا بيك بي» Beta Pic b) يَعدِل حجمه 11 ضعف حجم كوكب المشتري، كما يُحيط به قرصٌ هائل من الغبار يبلغ قطره نحو 40 مليار ميل، ويُعرف باسم قرص الحطام.

تمثِّل أقراص الحطام حقبة "الكهولة" في تاريخ الأقراص المكوِّنة للكواكب، وهي المرحلة اللاحقة في الرقصة المعقدة التي جمعت بين الغبار والغاز لتتشكَّل كواكب مكتملة على غرار تلك التي تدور حول الشمس، وغالبًا ما تكون هذه الأقراص أماكن فوضويةً وعنيفة، تتطاير فيها كتلٌ من الصخور والكواكب الأولية ويتصادم بعضها ببعض، وهنا يأتي دور المذنَّبات الخارجية؛ ففي أنظمة الكواكب حديثة العهد مثل نجم «بيتا بيك»، تقترب المذنَّبات أكثر وأكثر من نجمها؛ لأن ما يحتويه القرص لا يزال في حالة حركة مستمرة قبل أن تستقر الأجرام في ترتيبها النهائي.

في الواقع، لم يكن هذا الاكتشاف هو المرة الأولى التي شوهدت فيها مذنَّبات خارجية حول نجم «بيتا بيك»؛ فقد اكتُشفت لأول مرة باستخدام «القمر الصناعي لمسح الكواكب الخارجية ذات العبور الزوالي» في عام 2019، وخلُصت دراساتٌ سابقةٌ إلى أن نجم «بيتا بيك» لديه في حقيقة الأمر مجموعتان مختلفتان من مذنَّبات خارجية ذات خصائص مختلفة، تُضاف هذه المذنَّبات الخارجية الجديدة إلى الكَمِّ المتزايد من كشوف المذنَّبات الخارجية حول نجوم متعددة باستخدام كلٍّ من «القمر الصناعي لمسح الكواكب الخارجية ذات العبور الزوالي» وسابقه «تلسكوب كبلر الفضائي» Kepler Space Telescope صائد الكواكب، وعمليات الرصد هذه ليست الأولى التي تكتشف المذنَّبات الخارجية في شكلٍ معين، لكن يمكن اعتبارها الأولى من نوعها التي ترصد بشكلٍ مباشر المذنَّبات الخارجية من خلال عمليات العبور، ويُقصد بها الانخفاضات الصغيرة التي نرصدها في شدة الضوء المنبعث من نجمٍ ما نتيجة عبور مذنَّب أمامه، وقد رُصد عبور المذنَّبات لأول مرة في بيانات كبلر في عام 2017، وهذا العبور أكثر حدةً وأقل توازنًا إذا ما قُورن بعبور الكواكب الخارجية، ويرجع ذلك في جانبٍ منه إلى ذيل المذنَّب الطويل.

وتكشف عمليات العبور عن حجم المذنَّبات الخارجية، في حين يمكن قياس سرعة المذنَّب وحساب مداره باستخدام طرقٍ استكشافيةٍ أخرى، وهذه المعلومات مجتمعةً ترسم صورةً أكثر شمولًا لما يحدث للمذنَّبات الخارجية، أي كيفية نشأتها وطبيعة ما يعتريها من تغييرات، إن بناء فهرس كبير لعمليات عبور المذنَّبات الخارجية أمام العديد من النجوم المختلفة سوف يمنح الفلكيين إمكانية اكتشاف أنماطٍ في البيانات، ومن ثم يتسنى استجلاء اتجاهاتٍ ناجمة عن عملية تكوين الكواكب.

ويأمل جوناثان مارشال -باحث ما بعد مرحلة الدكتوراة في معهد أكاديميا سينيكا للفلك والفيزياء الفلكية في تايوان- أن تُسلِّط هذه الموجة الجديدة من كشوف المذنَّبات الخارجية الضوء على النجوم المعروفة باسم «النجوم الخافتة» التي يخفت ضوؤها على نحوٍ غير متوقع، يتذبذب الضوء الصادر من هذه النجوم، ويشبه كثيرًا ما يرصده الفلكيون حول نجم «بيتا بيك»، لكن الخفوت يكون أقل تواترًا وأكبر حجمًا بكثير، ويُضاف إلى ذلك أن النجوم الخافتة أبعد، مما يجعل من الصعب على الفلكيين -إن لم يكن مستحيلًا– التقاط صورة من أجل استكشاف السبب وراء خفوت الضوء، يوضح مارشال أنه "إضافةً إلى النظام الشمسي، فإن استخدام نظام «بيتا بيك» كنموذجٍ يوفر لنا مثالًا آخر... وهذا النظام يمكن تطبيقه على النجوم الخافتة لاستنباط الآلية الداخلية لأنظمة المذنَّبات الخارجية الأكثر تطرفًا".

بل إن المذنَّبات الخارجية قد تقدم تفسيرًا للخفوت المُلغز لنجم KIC 8462852 والمعروف أكثر باسم «نجم بوياجيان» تيمنًا بمكتشفته تابيثا بوياجيان، اختصاصية الفيزياء الفلكية في جامعة ولاية لويزيانا، اكتسب هذا النجم شهرةً كبيرةً عندما طُرحت فرضية واهية مفادها أن هذا الخفوت ربما يكون أول علامة على تشكُّل بنية فضائية عملاقة، تعتقد بوياجيان نفسها أن هذا التفسير أكثر ملاءمةً، إلا أنها لم تُرجِّح بعدُ حلًّا بعينه؛ إذ تقول: "ما زلنا نعمل على نموذجٍ يفسر جميع بيانات هذا النجم، أعتقد أن المذنَّبات الخارجية هي أفضل النظريات المطروحة، ولكن لا تزال هناك الكثير من التساؤلات التي لم نتوصل بعدُ إلى إجاباتٍ شافية لها".

إن النتيجة الأكيدة التي يمكننا استخلاصها من اكتشاف المزيد من المذنَّبات الخارجية هي أن تلك المذنبات شائعةٌ بالتأكيد، على الأقل حول نجم مثل «بيتا بيك»، ويتوقع العلماء أن يكتشف «القمر الصناعي لمسح الكواكب الخارجية ذات العبور الزوالي» المزيد من تلك المذنَّبات الخارجية في المستقبل، يقول فاندربيرج: إن «قوة القمر الصناعي لمسح الكواكب الخارجية ذات العبور الزوالي» تنبع من قدرته على رصد "ملايين النجوم في آنٍ واحد"، وتلك طريقةٌ أكثر فاعلية لمسح السماء بحثًا عن مذنَّباتٍ خارجية بدلًا من فحص النجوم واحدًا تلو الآخر للغرض نفسه، وقد يوفر «تلسكوب جيمس ويب الفلكي» James Webb Space Telescope -الذي طال انتظاره، لينطلق أخيرًا في أواخر عام 2021- رؤيةً كاشفةً جديدةً حول المذنَّبات الخارجية.

يقول ياكيف بافلينكو، كبير الباحثين في المرصد الفلكي الرئيسي الأوكراني، بالنيابة عن فريق الباحثين الأوكرانيين الذين تحقق الاكتشاف الجديد بفضل جهودهم: "للأسف، لم تحصل مجموعتنا إلا على النتائج الأولى في حقل المذنَّبات الخارجية، ثم اندلعت الحرب، نحن عازمون على مواصلة العمل بعد الحرب، ونود أن نشكر جميع فلكيي العالم الذين يدعموننا قولًا وعملًا".