تواجه ديب هالاند -العضوة بمجلس النواب الأمريكي، والتي يُتوقع أن تؤدي قسَم اليمين الأسبوع المقبل كوزيرة جديدة للداخلية في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن- مهلةً نهائيةً ضيقةً لإتمام مهمة عاجلة؛ فبموجب أمر تنفيذي يغطي نطاقًا واسعًا من القضايا المتعلقة بالتغيُّر المناخي، وقعه الرئيس بايدن خلال أول أسبوع كامل له في منصبه، سيتعين على وزيرة الداخلية الجديدة أن تقدم قبل شهر إبريل المقبل توصيات بالخطوات التي ينبغي للولايات المتحدة اتخاذها "لتحقيق هدف الحفاظ على 30% على الأقل من أراضينا ومياهنا بحلول عام 2030".

وهذا الهدف الذي يرمي إلى حماية 30% من كوكب الأرض بحلول عام 2030 -ويُشار إليه باسم "خطة 30 × 30"- يجسد حلمًا صعب المنال، ظل قائمًا منذ أمد طويل في مجال الحفاظ على البيئة، غير أن بايدن ليس الزعيم العالمي الوحيد الذي بات يأخذه على محمل الجِد؛ ففي يناير الماضي، رسميًّا، تبنَّى "الائتلاف الطموح لحماية الطبيعة والبشر" High Ambition Coalition for Nature and People –وهو اتحاد جرى تشكيله حديثًا من أكثر من 50 بلدًا في ست قارات- "خطة 30 × 30"، ويعود الفضل في ذلك جزئيًّا إلى حملة بلغت قيمتها مليار دولار أمريكي مولها هانزيورج فيز، أحد رجال الأعمال في مجال التكنولوجيا الطبية، وأقرتها الجمعية الجغرافية الوطنية الأمريكية ومنظمة الحفاظ على الطبيعة، وفي الوقت الحالي يدعو أعضاء هذا الائتلاف –الذي تقوده المملكة المتحدة وكوستاريكا وفرنسا- الدول الأخرى الموقعة على اتفاقية التنوع البيولوجي إلى تبنِّي ذلك الهدف.

وثمة أدلة مقنعة على وجود حاجة ماسة إلى توفير حماية واسعة لما تبقَّى من غابات وأراضٍ عشبية وأراضٍ رطبة وأهوار ساحلية وغيرها من النظم البيئية الأخرى على كوكب الأرض، ليس فقط لمنع تضاؤل أعداد أنواع أخرى وانقراضها، لكن أيضًا لتحقيق استقرار المناخ العالمي، مع ذلك، يعي كثيرٌ من النشطاء المناهضين للفقر والمدافعين عن حقوق مجتمعات السكان الأصليين، أن المحميات وغيرها من المناطق المحمية كثيرًا ما تقضي على حقوق المجتمعات المحلية في الأراضي وفي سبل العيش، وينظر هؤلاء النشطاء بشك له ما يسوِّغه إلى الخطة؛ فبدايةً من محميتي "يلوستون" و"يوسمايت" الوطنيتين وحتى أحدث محميات الغابات والبحار في العالم، يُظهر التاريخ أن ثمن "الحماية" (أو "الحفاظ على البيئة"، وفق المصطلح المستخدم في الأمر التنفيذي لبايدن) غالبًا ما تدفعه الفئات الضعيفة.

 وللحفاظ على البيئة العالمية بفاعلية، وبما لا يتنافى مع المعايير الأخلاقية، يجب أن يستمر النشطاء الداعمون لـ"خطة 30 × 30" في توسيع نطاق مفهومهم عن الحماية البيئية الذي تتبناه حركة الحفاظ على البيئة؛ فأنصار هذه الحركة ومَن يوجهون جهودهم من العلماء، يتمتعون بدراية كبيرة فيما يخص التعقيد الإيكولوجي، ولديهم فهمٌ عميقٌ لأوجه الترابط بين الأنواع والموائل والمناخ العالمي، لكنهم بوجه عام، ظلوا وقتًا طويلًا أقلَّ درايةً بالتعقيدات البشرية، فكانوا ينزعون إلى رؤية البشر على أنهم قوة موحَّدة ومدمرة إلى حدٍّ كبير، وهو افتراض يكمن وراء ما يزيد على قرن من جهود حماية شبكات النظم الإيكولوجية من خلال إبعاد البشر عنها.

وفي الوقت نفسه، أدرك علماء الاجتماع -وهم على دراية كبيرة بالتعقيدات البشرية- أنه إن توافرت الظروف المناسبة، يكون البشر قادرين تمامًا على أداء دور بَناء في الحفاظ على البيئة، وفي الواقع، طورت مجتمعات عديدة طرقًا للحفاظ على كلٍّ من سبل عيشها والنظم الإيكولوجية التي تعيش فيها، وفي بعض الحالات، كانت هذه الممارسات أفضل في حماية الأنواع والموائل من الإجراءات التقليدية القائمة على ترسيم حدود المحميات، والتي تكون في نهاية المطاف مكلفةً في تنفيذها، وهذا الشكل من ممارسات حماية البيئة يُزاول عادةً على أراضي المجتمعات المحلية، التي تمثِّل 50% من أراضي العالم، والتي تسيطر عليها مجموعات السكان الأصليين ومجتمعات محلية أخرى، بحكم الأمر الواقع (إن لم يكن بحكم القانون)، ومن دون ملكية رسمية ومعترَف بها قانونًا لهذه الأراضي، يمكن أن تتضرر هذه المجتمعات أو أن تتشرد في كثير من الأحيان بسبب التنمية الصناعية.

ويُعد الاعتراف رسميًّا بأحقية هذه المجتمعات في هذه الأراضي، خطوةً أساسيةً نحو رد إدارة هذه الأراضي والمسؤولية عنها لأولئك الذين يعتمد بقاؤهم في الغالب بشكل مباشر على أداء النظم الإيكولوجية لوظائفها، كما أنه خطوة مهمة نحو توفير الأمان الذي تحتاج إليه هذه المجتمعات لإدارة مواردها على المدى الطويل؛ (ففي الحالات التي قد يُجاز فيها وضع حدود لمحميات جديدة، يمكن أن يتيح الاعتراف بهذه الأحقية عقد مفاوضات عادلة بين المجتمعات المحلية والحكومات الوطنية، وهو بحد ذاته تقدم كبير عن ذي قبل).

ولا شك في أن أفراد مجتمعات السكان الأصليين تراودهم طموحات عديدة فيما يخص استخدام أراضيهم، وأنهم ليسوا جميعًا مهتمين بإعطاء الأولوية للحفاظ على البيئة، بيد أنه ينبغي قطعًا ألا نتوقع أن تتحمل هذه المجتمعات وحدها ثمن الحفاظ على البيئة بالنيابة عن سائر البشرية، وتُظهر الأبحاث والخبرات أنه في حال توافُر الدعم والموارد لجهود إدارة المجتمعات المحلية، فقد تغدو هذه المساعي شديدة الفاعلية وتؤدي دورًا محوريًّا في تحقيق أهداف الحفاظ على البيئة بوجه عام.

ومن المؤكد أن النائبة هالاند -وهي من أعضاء قبيلة "لاجونا بويبلو" Laguna Pueblo في نيو مكسيكو، وأول وزيرة أمريكية من السكان الأصليين- تدرك جيدًا أن الاعتراف بالأحقية التاريخية للمجتمعات المحلية في الأراضي يمكن أن يعزز جهود الحفاظ على البيئة في الولايات المتحدة وكذلك في الخارج؛ ففي شهر يناير الماضي، على سبيل المثال، نُقِلت رسميًّا حيازة "موئل ثيران البيسون الوطني" National Bison Range في مونتانا وإدارة هذا الموئل إلى قبائل الساليش والكوتيناي الكونفدرالية، والتي تعود أحقيتها القانونية في الموئل إلى معاهدة عام 1855 مع الولايات المتحدة، وستكون قبائل الساليش والكوتيناي مسؤولةً بشكل أساسي عن الموئل وسكانه، وسيتم إدراج حماية ثيران البيسون ضمن مساعٍ تتولى قيادتها قبائل السكان الأصليين، لإحياء ازدهار أعداد هذه الثيران عبر براري أمريكا الشمالية.

ويُحسب لكثير من المدافعين عن "خطة 30 × 30"، أنهم أقروا بأهمية السعي نحو "مؤازرة مجتمعات السكان الأصليين ودعم قيادتها لجهود الحفاظ على البيئة"، وهو الاسم الذي تطلقه حملة "فيز للحفاظ على الطبيعة" على هذا المسعى، بيد أنه مع المضي قدمًا في تحقيق هذه الخطة، يجب أن يتضمن هذا الدعم موارد حقيقية، وأن يُسفر عن عملية حقيقية لنقل السلطات على تلك الأراضي إلى المجتمعات المحلية؛ فمع أن وضع الحدود والحواجز للمناطق المطلوب حمايتها بيئيًّا قد يكون مفيدًا، وسيبقى كذلك، فإن حماية التعقيد البيئي الذي يتسم به كوكبنا ستتطلب مشاركة بني جنسنا بالكامل، بكل تعقيداته.

هذا مقال رأي تحليلي.