من المعلوم أن الكلمات الافتتاحية الشهيرة، "لقد كان أفضل الأزمان، وكان أسوأ الأزمان"، في رواية «قصة مدينتين» A Tale of Two Cities للكاتب تشارلز ديكنز، التي نُشرت عام 1859، كانت تشير إلى فترة الثورة الفرنسية، ولعله أيضًا كان يصف -بدرجةٍ مماثلة من الكفاءة- تجربة أحد معاصريه، وهو تشارلز داروين، مع نظريته عن التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي، وُلِد داروين في أفضل الأزمان في عام 1809، عندما كانت الظروف مواتيةً للغاية لازدهار نظريته، ولكنه تُوفي في عام 1882، الذي كان يُعد أسوأ الأزمان نظرًا لوجود خطر حقيقي يُهدد باحتمالية وأد النظرية عَمّا قريب، كان الفيزيائي البارز لورد كلفن هو الخصم اللدود لداروين، وكان السلاح الذي استخدمه لدحض نظرية داروين هو عُمْر الأرض.

نظرياتُ تطورٍ شتى سبقت نظرية داروين، ولكن أيًّا كانت النسخة التي يفضلها المرء، كان ثمة شيءٌ واضحٌ: استلزم التطور وقتًا طويلًا جدًّا كي تصبح آثاره حقيقةً واقعة، كان من الصعب تحديد المدة التي استغرقها بالضبط، ولكن ترسَّخ الاعتقاد بأنه تطلَّب عشرات الملايين أو مئات الملايين من السنين، واعتبارًا من عام 1650 فصاعدًا، كانت النظرية السائدة حول عُمْر الأرض -استنادًا إلى أعمال الأسقف آشر وإسحاق نيوتن وغيرهما الكثير من العلماء الذين استعانوا بمصادر نصية شتى- تقول بأنه يبلغ نحو 6000 عام.

وقد فرض هذا على نظريات الجيولوجيا والبيولوجيا أن تتكيف مع هذا الإطار الزمني القصير، فافترضت النظرية الجيولوجية المعروفة باسم «نظرية الكوارث» أن المعالم الكُبرى، مثل الأخدود العظيم «جراند كانيون» وجبال الهيمالايا وما إلى ذلك، قد نشأت نتيجةً لاضطراباتٍ مفاجئة وعنيفة، وفيما يتعلق بالتَّنَوُّع البيولوجي، كان المفهوم السائد هو فكرة الخلق الخاص، التي تُفيد بأن الكائنات الحية غير قابلة للتَّغيُّر، وأنها صُمِمَت خصوصًا لتلائم الأنماط البيولوجية التي وجدت نفسها فيها.

وقد كان هذا الإطار الزمني القصير كفيلًا بأن يمنع أي شخص من أن يقدم طرحًا ذا مصداقية حول ظهور أنواع جديدة من خلال عملية تطورٍ بطيء، غير أنه في عام 1785 تقريبًا، بدأت أفكار عُمْر الأرض تشهد تغيُّرًا جذريًّا، إذ بدأ علماء الجيولوجيا وعلماء الحفريات في استخدام خصائص الأرض نفسها، مثل التعرية والترسيب وطبقات الأرض والحفريات المطمورة في باطنها، لتقدير عُمْرها، وقد ترسَّخت نظرية «الوتيرة الواحدة» التي تُفيد بأن المعالم الجيولوجية الكُبرى نتجت عن التراكُم البطيء للغاية لتغيُّراتٍ صغيرة، وتُوِّجَت تلك النظرية بعمل الكاتب تشارلز لايل الملحمي المؤلَّف من ثلاثة مجلدات «مبادئ الجيولوجيا»Principles of Geology الذي نُشر في عام 1830، وجاء ليُرسِّخ المفهوم القائل بأن الأرض كانت موجودةً منذ مئات الملايين من السنين، وربما منذ فتراتٍ أطول من ذلك بكثير، بحيث يتعذر فيما يبدو تحديد عُمْر دقيق للأرض.

كان داروين أيضًا طالبًا شغوفًا بالجيولوجيا، وكان على دراية بعمل لايل (أصبحا فيما بعد صديقَين مُقَرَّبين)، وكان معه أول مجلدين من كتابه في أثناء رحلته التي دامت خمس سنوات حول العالم على متن سفينة «إتش إم إس بيجل» في الفترة بين عامي 1831 و1836، إذ اختمرت أفكار نظريته عن التطور مع رصده لأنماط الأنواع في المواقع المختلفة التي زارها، علم داروين من خلال عمله مع الحمام أنه حتى الاستيلاد عن عمد من أجل سماتٍ معينة استغرق وقتًا طويلًا لإنتاج هذه السمات، ولكن كم استلزم الأمر من وقتٍ؟ لقد رأى أن الأمر احتاج إلى مئات الملايين من السنين على الأقل، لقد منحه عمل لايل وغيره من علماء الجيولوجيا رفاهية افتراض توافر وقتٍ كافٍ ليؤدي الانتخاب الطبيعي عمله.

نشأ داروين أيضًا في وقت بدأت تتداعى فيه الفكرة القائلة بأن الأنواع ثابتة وغير قابلة للتغيُّر، فبينما كان داروين يدرس نظرية الخلق الخاص التي كانت مهيمنةً آنذاك ويستسيغها، كان أيضًا على دراية بالمفهوم العام للتطور، وقد نشر جده إراسموس داروين في عام 1794 كتابًا بعنوان «علم التشريح» Zoonomia تناول فيه الأفكار التطورية الأولية، ونشر جان باتيست لامارك نموذجه الخاص حول كيفية طبيعة عمل التطور في عام 1802، وتضمنت جميع النماذج المتنوعة المُقتَرَحة لآلية التطور -مثل التطور اللاماركي والتطور المُوَجَّه والخصائص المُستَعمَلة والمُهمَلة- قدرًا معينًا من مبحث الغائِيَّة القائل بأن نوعًا من الاتجاهية متأصلٌ في العملية.

وقد سمح الإطار الزمني الفضفاض للغاية، الذي أتاحته الجيولوجيا الجديدة، لداروين وشريكه ألفريد راسل والاس، بالعمل بشكلٍ مستقل، لطرح الرؤية المحورية الجديدة بشأن الانتخاب الطبيعي، والتي اختلفت عن نماذج التطور الأخرى من خلال إظهار الكيفية التي قد ينشأ بها التنوع بشكلٍ طبيعي عن طريق عملية ضغوط انتقاء السكان الْمَلْثُوسِيَّة، دون أن يتدخل أي نوعٍ من القوى الغامضة في توجيه العملية نحو أي غاياتٍ مُحَددة.

ارتأت نظريتهما أن التطور كان مدفوعًا بالمصادفة؛ إذ تعتمد كيفية تطور الكائنات الحية على عوامل الصدفة والبيئة المتغيرة، الأمر الذي أشار إلى أننا إذا أعدنا الزمن، فقد نحصل على نتائج مختلفة للغاية، قد لا يظهر فيها البشر مطلقًا، وقد قُدِّم عملهما لأول مرة في ورقة بحثية مشتركة في عام 1858، كان العمل الرئيس لداروين بعنوان «حول أصل الأنواع» On the Origin of Species، والذي نُشِر في عام 1859، عبارةً عن تجميعٍ لكمٍّ هائل من الأدلة التي ساعدت في إثبات التطور كحقيقة واقعة.

وقد انطوى نموذجهما على التغيير الجذري في وضع الإنسان، من كونه خُلق خلقًا خاصًّا على صورة الرب إلى كونه لا يعدو ناتجًا ثانويًّا عَرَضيًّا آخر للعملية التطورية، تمامًا مثل جميع الأنواع الأخرى، وهذا التغيير الجذري مصدرٌ مباشر للجدل؛ لأنه تحدى عقيدة دينية جوهرية تزعم أن البشر مُميَّزون، ولذا أثار الانتخاب الطبيعي هذه المعارضة حتى في الوقت الذي كانت لا تزال فيه فكرة التطور مقبولة؛ فالكثير من العلماء حينذاك كانوا متدينين ومؤمنين بفكرة التطور الإلهي، التي تُفيد بأن قوة خارقة للطبيعة كانت تُوجِّه العملية لتحقيق الغايات المرجوة.

وفي حين تطلَّبت جميع نماذج التطور أوقاتًا طويلة، فإن الانتخاب الطبيعي تطلَّب أوقاتًا أطول بكثير من أي عملية انتخاب مُوَجَّه، ومن ثم، فكلما كان عُمْر الأرض أصغر، زادت أرجحية ألا يكون الانتخاب الطبيعي هو الآلية التي استند إليها التطور، لقد كان الفيزيائيون -بقيادة الفيزيائي البارز كلفن، وهو نفسه من أنصار التطور الإلهي- يتزعمون مذهب صِغَر عُمْر الأرض، وإن كان ينبغي تأكيد أن "الصِّغَر" في ذلك الوقت كان يعني بلوغها نحو 100 مليون سنة أو أقل، وحتى العلماء المتدينون تخلوا عن فكرة أن عُمْر الأرض 6000 سنة فقط.

وبدءًا من عام 1860، شرع كلفن وفيزيائيون آخرون في تقدير عُمْري الأرض والشمس مُستعينين بفرضية السديم التي اقترحها كلٌّ من إيمانويل كانط وبيير سيمون لابلاس في عام 1750 على وجه التقريب، تعامل هذا النموذج مع الأرض والشمس على أنهما بدأتا كسُحُبٍ دوارة من الجسيمات التي التحمت تحت تأثير الجاذبية لتُشكِّل كرات منصهرة، ثم جمُدت الأرض لاحقًا وبردت حرارتُها، واستعان كلفن بقوانين الديناميكا الحرارية ومبادئ الفيزياء الأخرى للوصول إلى تقديرات تتراوح بين 20 مليونًا و400 مليون سنة، وبحلول عام 1879، خُفِّض الحد الأقصى إلى نحو 100 مليون سنة للأرض، ووُضِع حدٌّ أقصى أقصر للشمس قدره 20 مليون سنة، وهو أقل بكثير من الـ200 مليون سنة أو ما يُعتَقَد أنه الوقت اللازم لكي يُنتج الانتخاب الطبيعي آثارَه، ونظرًا إلى أن الفيزياء كانت تعتبر أكثر العلوم صرامة، فقد بدت الأمور سيئةً بالنسبة للانتخاب الطبيعي.

عندما تُوفِّي داروين في عام 1882، حُزِن عليه لكونه عالمًا عظيمًا، أحدث تغييرًا جذريًّا في فهمنا لكيفية نشوء التنوع الهائل للكائنات الحية التي نراها من حولنا، واضعًا بذلك حدًّا للفكرة القائلة بأن الكائنات الحية ثابتة وغير قابلة للتغيُّر، ولكن بسبب عُمْر الأرض المُتقلِّص آنذاك، فقد فارق الحياة ولم تزل سحابةٌ كبرى تتلبد في سماء آلية الانتخاب الطبيعي التي طرحها، وقد عبَّرت كلمات داروين الأخيرة في هذا الشأن، والتي كان قد كتبها في عام 1880، أي قبل وفاته بعامين فقط، عن أملٍ مشوبٍ بالحزن في احتمالية أن تتمكَّن التطورات المستقبلية من التوفيق بين احتياجات الانتخاب الطبيعي وحسابات الفيزياء، فقال:

"فيما يتعلق بانقضاء وقتٍ لم يكن كافيًا -منذ نشوء كوكبنا- لمقدار التَّغيُّر العضوي المُفتَرَض، وذلك الاحتجاج، الذي حث عليه [لورد كلفن]، والذي ربما يكون من أخطر ما طُرح حتى الآن، لا يُمكنني إلا أن أقول: أولًا إننا لا نعرف بأي معدل تتغير الأنواع وفق ما جرى قياسه على مدار سنوات، وثانيًا إن العديد من الفلاسفة ليسوا على استعدادٍ بعد للاعتراف بأننا نعلم ما يكفي عن نشأة الكون والجزء الداخلي من عالمنا للتكهن بأمان بمدته الماضية".

وقد تبيَّن أن داروين كان ذا رؤية ثاقبة عندما تنبأ بأن تحسُّن معرفتنا بباطن الأرض قد يُغيِّر الحسابات لصالحه، ولكنه حينذاك كان يتشبث بأي أملٍ فيما يبدو؛ فعلى المدى القريب، ازدادت المشكلة سوءًا لأن كلفن وآخرين قدموا حساباتٍ جديدة أدت إلى تقليص عُمْر الأرض أكثر، حتى إنه بحلول عام 1895 كان الرأي العام في الفيزياء هو أن عُمْر الكوكب يقع في نطاقٍ يتراوح بين 20 مليونًا و40 مليون سنة؛ فقد بدا أن أطروحة الانتخاب الطبيعي محكومٌ عليها بالفشل.

بيْد أن علماء الفيزياء كانوا يَلقون من التخصصات العلمية الأخرى آنذاك معارضةً أشد ضراوة؛ فقد أصر الجيولوجيون على أنه برغم أن نماذجهم القائمة على الأدلة المتراكمة بشأن الترسيب والتعرية ليست صارمةً مثل نماذج الفيزياء، فإنها كانت ذات دعائم راسخة بالقدر الذي يكفي للبرهنة على ما هم على ثقة به، وهو أن الحد الأدنى لعُمْر الأرض هو 100 مليون سنة، وكان علماء الحفريات يجادلون أيضًا بأن سجل الحفريات لم يكن متسقًا مع الأعمار الأقصر التي اقترحها الفيزيائيون، وقد ذهبت كلتا المجموعتين إلى أن الفيزيائيين لا بد وأن يكونوا قد انحرفوا عن الصواب في مرحلةٍ ما، حتى وإن لم تتمكن أيٌّ من المجموعتين من تحديد مواضع الخلل.

وبدءًا من عام 1895، أخذ هذا العائق يتلاشى عندما تحدى الفيزيائي جون بيري، أحد مساعدي كلفن السابقين، زعم كلفن أن الأرض كانت جسمًا صلبًا ومتجانسًا، متعللًا بعدم كفاية الأدلة التي تدعم ذلك الزعم؛ فبطرح مسألتي عدم التجانس والتدفق الحملي في باطن الأرض، وجد بيري أن تقديرات كلفن لعُمْر الأرض قد تتغير بعاملٍ كبيرٍ مقداره 100، وهو ما يؤدي إلى تغيير الحد الأقصى ليبلغ مليارات السنين، كما انضم فيزيائيون آخرون إلى هذا الاتجاه بتحولات صعودية مماثلة، مما شجع الجيولوجيين وعلماء الحفريات وعلماء الأحياء على تجاهُل حجج الفيزيائيين حول صِغَر عُمْر الأرض.

وكان لاكتشاف النشاط الإشعاعي الدور الحاسم في تغيير المشهد؛ فقد قاد إلى طريقة جديدة كليًّا لقياس عُمْر الأرض، من خلال تمكين العلماء من حساب أعمار الصخور، ونظرًا إلى أن أقدم صخرة يُعثَر عليها تُحدد الحد الأدنى لعُمْر الأرض، فقد انطلق السباق للعثور على صخور أقدم وأقدم بالاستعانة بهذه الطريقة، وقد تغيرت الأرقام سريعًا، لتخرج إلينا تقديراتٌ بأعمار 141 مليون سنة بحلول عام 1905، و1.64 مليار سنة بحلول عام 1911، و1.9 مليار سنة بحلول عام 1935، و3.35 مليارات سنة بحلول عام 1947، وأخيرًا 4.5 مليارات سنة بحلول عام 1953، وهو الرقم المُجمَع عليه حاليًّا. 

وعندما تُوفِّي كلفن عام 1907 عن عمر يناهز 83 عامًا، لم يكن واضحًا ما إذا كان قد قبِل مسألة أن تقديراته لم تعد صالحةً أم لا، لكن داروين كان لديه أمل في أن يثبُت خطأ كلفن، وأن يتبين في نهاية المطاف أنه كان هناك وقتٌ كافٍ أمام الانتخاب الطبيعي ليؤدي دوره، وقد تحقق أمله هذا بعد 30 عامًا من وفاته، وأصبح متاحًا لنظريته الآن كل ما تحتاج إليه من وقت.

هذه المقالة هي مقالة رأي وتحليل، والآراء التي عبَّر عنها المؤلف أو المؤلفون ليست بالضرورة آراء مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American.