تخيَّل أنَّ العلماء قد رصدوا تهديدًا عالميًّا محتملًا، لكنَّ البيانات الأولية متضاربة، وليست كافيةً لاتخاذ إجراءٍ جذري، ثم بسرعة، ودون هوادة، تفاقم هذا التهديد، وأصبح لا مفر منه، بعد أن كان بإمكاننا منعه، ولم يعد هناك خيارٌ لدى العالم سوى تحمُّل الكارثة، متكبدًا تريليونات الدولارات، وخاسرًا ملايين الأرواح.

هذه هي قصة جائحة "كوفيد-19"، لكنَّ القصة لن تختلف كثيرًا في حالة اصطدام كويكبٍ ضخم بكوكبنا، وبينما نفيق حاليًّا من أسوأ فترات الجائحة، علينا أن ننتبه إلى درسٍ مهم، وهو أنَّ الحوادث ضعيفة الاحتمال شديدة الآثار تقع بالفعل، لكن يمكننا الحد من تداعياتها إذا تأهَّبنا لها، وتصرَّفنا قبل وقوعها بوقتٍ كافٍ.

تشبه الكويكبات الفيروسات بشكلٍ ما، فكلاهما يوجد منه عشرات الملايين، لكنَّ أنواعًا قليلةً فقط منها تشكل تهديدًا على البشر، وبالنسبة للكويكبات، ما علينا أن نقلق بشأنه هو تلك الأنواع "القريبة من الأرض"، أي التي تتقارب مداراتها مع مدار كوكبنا.

وكما هو الحال في الفاشيات الفيروسية، فإنَّ احتمالية وقوع كوارث الكويكبات تُعد ضعيفةً في أي عامٍ بعينه، لكنَّ تلك الكوارث تكاد تكون حتميةً بمرور الزمن، وكما يمكننا نظريًّا أن نطور لقاحاتٍ مضادةً للفيروسات الجديدة قبل أن تسبب أضرارًا طائلة، بحيث نُكسب البشر مناعةً ضدها دون أن يصابوا بالمرض، يمكننا كذلك أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة لتطوير استجابةٍ مناعيةٍ عالميةٍ مضادةٍ لحوادث اصطدام الكويكبات بالأرض، لكنَّ هذا يتطلب استثماراتٍ متواصلةً في البحث العلمي وخطط التأهب، وفي حين أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية ما يزيد على 6.5 مليارات دولار أمريكي على التأهُّب لمواجهة الجوائح على مدار العقد الماضي (مع الإقرار بتحقيقها نتائج متفاوتة في هذا الصدد)، فقد أنفقت في المقابل أقل من عُشْر هذه الميزانية على جهود رصد الكويكبات وتحريفها عن مساراتها، وهذا أقل بكثير من المطلوب.

في الواقع، هناك أجسامٌ فضائية تصطدم بكوكبنا طوال الوقت، لكنَّها عادةً ما تكون صغيرةً، ولا تسبب أضرارًا، فطوال العام تنهمر على الأرض نيازك لا يتعدى قطرها بضع بوصات، وهذه الأجسام تحترق على شكل شهب بمجرد اختراقها لغلافنا الجوي، لكنَّ الخطر يكمن في الأجسام الأكبر حجمًا، التي تضاهي المنازل في حجمها أو تفُوقُها، وصحيحٌ أنَّ معدل اصطدام هذه الأجسام بكوكبنا أقل من نظيراتها الأصغر، لكنَّ تلك الاصطدامات تقع بالفعل؛ ففي عام 2013، انفجر نيزك يبلغ قطره 60 قدمًا فوق مدينة تشيابنسك الروسية، مما أسفر عن إصابة الآلاف، أمَّا النيازك العملاقة، التي يبلغ قطرها عدة أميال، فحوادث اصطدامها بالأرض تُعد أكثر ندرةً من ذلك؛ إذ لا تقع إلا كل بضع مئاتٍ من ملايين السنين تقريبًا، لكنَّ الضرر الذي تُحدثه يمكن أن يكون كارثيًّا، انظر مثلًا إلى الانقراض الجماعي الذي وقع منذ 65 مليون سنة، والذي أباد أغلب الديناصورات، ما يبعث على الأمل في هذا الصدد هو أنَّنا رصدنا أغلب هذه النيازك العملاقة، ولحسن حظنا فإنَّ الأرض لا تقع في مساراتها.

إلا أنَّ هناك نوعًا متوسطًا علينا أن نوليه انتباهنا، وهو تلك الكويكبات التي تُعرف باسم "مدمرات المدن"، هذه يقارب حجمها حجم ملاعب كرة القدم، ويمكن لاصطداماتها بكوكبنا أن تطلق طاقةً تزيد بعشرة آلاف مرة عن الطاقة التي أطلقتها القنبلة الذرية التي سوَّت هيروشيما بالأرض، ويبدو أنَّ هذه الكويكبات تصطدم بكوكبنا كل بضعة آلاف من السنين في المتوسط، وعلى الأرجح، فإنَّ عشرات الآلاف منها تتقارب مداراتها مع مدار الأرض، غير أنَّنا لم نرصد إلا ثلثها فقط تقريبًا.

ومن الصعب رصد هذا النوع من الكويكبات؛ فحتى الكبير منها يُعد ضئيلًا بالمقاييس الكونية، كما أنَّها تتخفَّى وسط الفضاء المظلم بأسطحها الداكنة الشبيهة بالفحم، والتلسكوبات الأرضية -التي تقيس الضوء المنعكس- تجد صعوبةً في رصد هذه الأجرام الصغيرة المعتمة، لذلك لا يكُتشف منها إلا بضع مئاتٍ كل عام، ولتحسين معدل الرصد بدرجةٍ كبيرة بما يكفي، علينا أن نغادر حدود الأرض إلى عالم هذه الكويكبات، بعبارةٍ أخرى، نحتاج إلى تلسكوبٍ فضائي.

في هذا الصدد، تدرس وكالة ناسا في الوقت الحالي مشروعًا لتطوير تلسكوبٍ فضائي متوسط القدرات، يُسمَّى ماسح الأجسام القريبة من الأرض (NEO)، بدلًا من رصد الضوء المنعكس، سيبحث هذا التلسكوب عن البصمات الحرارية للكويكبات، التي تتوهج بالأشعة تحت الحمراء مقارنةً بخلفية الفضاء الباردة، ولأنَّ الظروف الجوية لا تسوء في الفضاء، ولا يوجد ضوءٌ نهاري يحد من عمليات الرصد، قد يمكن لهذا الماسح أن يعثر على عددٍ من مدمرات المدن خلال العقد القادم يفوق ما رصدته جميع التلسكوبات الأرضية على مدار العقود الثلاثة الماضية.

تتشابه كوارث الكويكبات مع الجوائح أيضًا في أنَّ مبادئ الرياضيات المُميَّزة التي تقوم عليها الميكانيكا المدارية للكويكبات ربما تضاهي في شراستها الانتشار السريع الذي تتسم به الفاشيات الفيروسية، وكما استخدمنا منظومات فحص واسعة النطاق في أثناء جائحة "كوفيد-19"، سنحتاج إلى تكريس الجهود لرصد الكويكبات التي قد تمثل خطرًا علينا، للحيلولة دون وقوع تلك الكوارث، فمن الممكن تغيير مدار أحد الكويكبات القادمة لحماية الأرض، لكنَّ هذا الإجراء يزداد صعوبةً كلما أصبحنا أقرب إلى الاصطدام بالكويكب، في حين يسهل تحقيق ذلك بشدة لو بادرنا بالتصرف قبل وقوع الاصطدام بسنوات (إن لم يكن بعقود).

وقد أمضى مشروع الماسح أكثر من عقدٍ في جحيمٍ بيروقراطي؛ إذ كان يواجه صعوباتٍ للحصول على الموافقات، لكن يبدو أنَّ الظروف الآن قد أصبحت مُهيَّأةً للمضي قدمًا فيه؛ إذ اقترحت إدارة الرئيس الأمريكي بايدن مؤخرًا تمويل بعثة المشروع ضمن ميزانية وكالة ناسا الأخيرة، ولا بد أن يدعم الكونجرس هذا الطلب، ومن المتوقع أن يستغرق إنشاء هذا المشروع وإطلاقه سنوات، لكنَّنا قد نشهد قريبًا جدًّا أول الجهود المُكرَّسة لفهم حجم التهديد الذي تمثِّله الكويكبات، ربما في عام 2026.

نحتاج أيضًا إلى الاستثمار في تقنيات تحريف الكويكبات، التي تُعد بمنزلة اللقاح في جهود الاستجابة لأخطارها، ولحسن الحظ، فإنَّ ناسا على وشك إطلاق بعثة الاختبار المزدوج لإعادة توجيه الكويكبات (DART)، ستصطدم المركبة الفضائية الخاصة بهذه البعثة في عام 2022 بـ"القمر" الضئيل الذي يدور حول كويكب "ديديموس" القريب من الأرض، مغيِّرةً مداره تغييرًا بسيطًا، ومن ثم سيقارن العلماء درجة التغيُّر الفعلية بتوقعاتهم، وهو ما من شأنه أن يساعدهم في فهم كيفية تغيير مدارات الكويكبات على نحوٍ أكثر فاعليةً في المستقبل، وصحيحٌ أنَّ هذه البعثة لا تعدو كونها اختبارًا، لكنَّها قد تؤدي الغرض نفسه الذي حققته سنوات البحوث الأساسية في مجال اللقاحات المعتمدة على الحمض النووي الريبي المرسال، والتي أثمرت في النهاية عندما طُبِّقَت في حالة مرض "كوفيد-19".

علينا كذلك أن نواصل دعم عمليات مسح السماء التي تُجريها التلسكوبات الأرضية، والتي يمكنها أن تعزِّز عمل البعثات الفضائية؛ فعلى سبيل المثال، من المتوقع لمرصد "فيرا روبن" -الذي يجري إنشاؤه حاليًّا في شيلي، ويتميز بكفاءته الكبيرة في رصد الأجسام سريعة الحركة في المجموعة الشمسية- أن يساعدنا كثيرًا في مهمة رصد الكويكبات (لكنَّ المجموعات الضخمة من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، والتي تقترح إطلاقها شركات "أمازون" Amazon و"سبيس إكس" SpaceX و"وان ويب" OneWeb وغيرها، قد تؤثر بشدة في قدرتنا على رؤية هذه الأجسام المعتمة، وتجعل عمليات رصد الكويكبات أكثر صعوبة، وليس هناك حلٌّ سهل لهذه المشكلة، بخلاف مواصلة تأكيد حاجتنا إلى أجهزة رصد فضائية في المناطق الأكثر هدوءًا من المجموعة الشمسية).

لقد قدَّمت لنا جائحة فيروس كورونا دروسًا كثيرةً عرفَّتنا الحجم الحقيقي لقدراتنا، ولنُضِف إليها هذا الدرس: الكوارث ضعيفة الاحتمال شديدة الآثار تقع بالفعل، وما من كارثةٍ أشد تأثيرًا من اصطدام كويكبٍ ضخم بكوكب الأرض، ونحن نعلم بالفعل أنَّ الإدراك المبكر للمشكلة يُمكِّننا من التصرف مبكرًا، وأنَّ المشكلات المستقبلية الضخمة يمكن تجنُّبها بتخصيص استثماراتٍ صغيرة لحلها من الآن، لنتأهب للكوارث حتى لا تباغتنا مرةً أخرى.